تحقيقات وملفات

بنسبة مشاركه %20.75.. البرلمان الجزائري الجديد أمام أزمة مشروعية تاريخية

الرئيس تبون: الأرقام ليس لها قيمة .. المعارضة: المقاطعة سلاح لكشف زيف الانتخابات

تمثل الانتخابات في المفهوم السياسي المعاصر الحجر الزاوية للمشروعية، والآلية السلمية الوحيدة لتبادل السلطة وصناعة النخب، غير أن تحول صناديق الاقتراع من أداة للتغيير إلى مجرد طقس إجرائي بارد يفرز بانتظام نسب مشاركة متدنية—كما حدث في التجربة الجزائرية الأخيرة بنسبة 20.79%.

وتعيد نسبة المشاركة طرح التساؤل السياسي الأبرز: هل نحن أمام “عزوف شعبوي” ناتج عن اللامبالاة، أم أمام “موقف سياسي صامت” يعكس قناعة شعبية راسخة بأن قواعد اللعبة هندستها السلطة مسبقاً؟.

فقد جاءت الانتخابات التشريعية الجزائرية التي أُجريت لتضع البلاد أمام مشهد سياسي بالغ التعقيد؛ حيث سجلت صناديق الاقتراع أدنى نسبة إقبال انتخابي في تاريخ البلاد بنسبة بلغت 20.79%.

هذا الرقم لا يعكس مجرد “برود سياسي” عابر، بل يؤشر على فجوة عميقة بين الشارع والسلطة. وبينما تتحضر “المحكمة الدستورية” لإعلان النتائج النهائية، يقف البرلمان المقبل (المكون من 407 مقاعد) أمام تحدي انتزاع “المشروعية الشعبية” في ظل اتساع رقعة المقاطعة الصامتة.

دلالات العزوف القياسي
يمثل تراجع نسبة المشاركة من 30% في عام 2021 إلى 20.79% صدمة رقمية للنظام الانتخابي. ويمكن تفسير هذا “الهروب الجماعي” من مراكز الاقتراع من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:فقدان الثقة الهيكلي: يرى قطاع واسع من الشارع، ولا سيما فئة الشباب التي تمثل الكتلة الناخبة الأكبر، أن البرلمان تحول إلى هيئة “شكلية” لتمرير القرارات التنفيذية، دون امتلاك سلطة فعلية لتغيير الواقع المعيشي أو الاقتصادي.

فشل آليات التعبئة التقليدية
وأظهرت الانتخابات فشل الأحزاب، سواء الموالية أو المعارضة، في صناعة “حملة انتخابية” جاذبة، كما غابت الخطابات الأيديولوجية الكبرى، وحلّ مكانها الفتور وغياب الأمل في تغيير قواعد اللعبة السياسية.

المقاطعة السلبية كأداة تعبير
في ظل بيئة سياسية تفرض قيوداً صارمة على الحراك الميداني وحرية التعبير، باتت “المقاطعة والجلوس في المنازل” هي الأداة الاحتجاجية الأعلى صوتاً والأكثر أماناً للتعبير عن رفض الوضع الراهن.

تطهير سياسي أم هندسة للمشهد
وقد شهدت هذه الانتخابات تطبيقاً صارماً للمادة القانونية المتعلقة بمكافحة “المال الفاسد” والشروط الهيكلية، مما أسفر عن رفض ثلث القوائم المترشحة (31 من أصل 108 قوائم). وتثير هذه “المقصلة القانونية” قراءتين متناقضتين:
القراءة الاولى وهي الرسمية تميل إلى مكافحة توغل سلطة المال: قطع الطريق نهائياً أمام رجال الأعمال الفاسدين ومحاولات “شراء المقاعد البرلمانية”.

أما المعارضة فتؤكد أن ما حدث هو إقصاء قوائم وازنة مثل حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” (المعارض) يفرغ المنافسة من مضمونها الحقيقي.

برلمان مسبق الصنع
مع غياب المنافسة الحقيقية وإقصاء الكتل الوازنة، فإن معالم البرلمان القادم تبدو “مسبقة الصنع” للمراقبين، فمن المتوقع جداً كما يقول بعض السياسيون الجزائريون، المحافظة على سيطرة الأحزاب التقليدية القريبة من الرئاسة (وفي مقدمتها جبهة التحرير الوطني FLN والتجمع الوطني الديمقراطي RND).

كما ساهم صعود القوائم “المستقلة” والتحالفات البراجماتية المؤقتة في تمييع الصراع الفكري التاريخي في البرلمان الجزائري (بين الإسلاميين، اليساريين، والعلمانيين)، مما ينتج مجلساً مفككاً يسهل احتواؤه سياسياً.

أزمة الشرعية وتحديات الحكم
إن نجاح السلطة في تنظيم العملية الانتخابية تقنياً وإدارياً لا يحجب الأزمة السياسية الجوهرية المتولدة عنها؛ فالبرلمان الذي ينتخبه خمس المواطنين فقط سيعاني من وهن في شرعيته التمثيلية أمام المجتمع الدولي وأمام الجبهة الاجتماعية الداخلية.

تواجه السلطة الحاكمة في المرحلة المقبلة معضلة حقيقية؛ إذ إن تمرير القوانين الاقتصادية الصعبة والإصلاحات الهيكلية عبر برلمان يفتقد للظهير الشعبي القوي قد يعمق حالة الاغتراب السياسي، ويجعل من صمت الشارع الحالي هدوءاً حذراً قد لا يدوم إذا ما تزامنت الضغوط السياسية مع تفاقم الأزمات المعيشية.


الشرعية الدستورية غير مرتبطة بالأرقام

من جانبه، أكد الرئيس عبد المجيد تبون، أن القرارات والمؤسسات تُبنى بناءً على الصناديق بغض النظر عن نسبة الإقبال.نزاهة القطيعة مع الماضي: شدد الخطاب الرسمي على أن الجزائر “تجاوزت تماماً عهد التزوير والمحاصصة وشراء الأصوات”.

واعتبرت النظام الحاكم أن غياب الطعون والشكاوى الجوهرية من المترشحين يثبت نظافة العملية الديمقراطية.

كما أرجعت الهيئة المستقلة للانتخابات التباطؤ في الإقبال ببعض الفترات إلى الظروف المناخية وموجة الحر، مما دفعها لتمديد التصويت لساعة إضافية.

سلاح المقاطعة
في المقابل، رأت أطراف معارضة وازنة ونشطاء من الحراك الشعبي أن خلو مراكز الاقتراع هو “استفتاء شعبي صامت” يرفض البيئة السياسية الحالية.

هندسة المشهد
وعبر حزب “التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية” (RCD) وقوى ديمقراطية أخرى عن رفضهم لـ “الميثاق الأخلاقي” والقيود الإدارية الصارمة التي فرضتها سلطة الانتخابات، معتبرين أنها أفرغت الحملات من محتواها وحولتها إلى مجرد إجراء إداري معقم ومحسوم النتائج مسبقاً.المشاركة بغرض البقاء: بعض الأحزاب (مثل “جيل جديد”) فضلت المشاركة رغم الانتقادات، نظراً للقوانين الجديدة الصارمة التي تهدد بحل الأحزاب المقاطعة للاستحقاقات المتتالية.

فجوة الأجيال
وأشار خبراء سياسيون (مثل تقارير معهد الشؤون الدولية الإيطالي ISPI ومعهد تشاتام هاوس) إلى أن السلطة تعتمد على خطاب “الشرعية الثورية” والتخوين وهو ما لم يعد يجد صدى لدى الأجيال الشابة التي تشكل غالبية

زيرى المحللون أن هذا الانهيار في نسب المشاركة يصعّب من جهود الحكومة لتسويق مشروع “الجزائر الجديدة” دولياً وإقليمياً، حيث يولد البرلمان بعجز شعبي بنيوي قد يحد من قدرته على تمثيل التطلعات الاقتصادية الصعبة أو احتواء أي احتقان اجتماعي مستقبلي.
كتب التحليل : شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى