تقارير عربية

السنوات العجاف" تضرب النيل بمصر والسودان.. وتحركات دبلوماسية لمواجهة التعنت الإثيوبي !!

تنخفض مناسيب نهر النيل إلى مستويات غير مألوفة في مصر والسودان، وتتوالى تحذيرات خبراء الري والموارد المائية من أن المنطقة تدخل بالفعل “السنوات العجاف”، في مشهد يجسد أعتى كوابيس دولتي المصب، فالخطورة الحقيقية كما أكد الخبراء لا تكمن في كونها ظاهرة مناخية عابرة، بل في كونها العرض الأول لواقع مائي جديد فرضته أديس أبابا بأمرها الواقع، ليغدو تكرار الأزمة سيناريواً حتمياً لا مجرد احتمال مرجح.

وأمام هذا التهديد الوجودي، تتحول بوصلة الأزمة من جفاف النهر إلى تساؤلات واضحة للسياسات الرسمية في القاهرة والخرطوم طوال السنوات الماضية: هل وقعت دولتا المصب في فخ التقصير والتأخر في امتلاك أوراق ضغط حقيقية، أم أن الرهان على “الحلول التسكينية والمرونة المفرطة” قد فشلت في تعنت المفاوض الإثيوبي؟.

جفاف طبيعي.. يتضاعف بقرار سياسي
وقد اوضح الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، في تصريحات إعلامية، أن ظاهرة “النينيو” المناخية تسببت في تراجع تكوّن السحب الممطرة فوق الهضبة الإثيوبية، ما أدى إلى هبوط حاد في إيراد النيل الأزرق من معدله المعتاد البالغ 50 مليار متر مكعب سنوياً إلى ما بين 20 و25 مليار متر مكعب فقط هذا العام.


وأضاف نور الدين، أن العامل المناخي وحده لا يفسر حجم الأزمة، فقد سجّلت البيانات الميدانية سابقة غير معهودة تمثلت في عدم وصول أي كمية مائية إلى السودان من حصة شهر يوليو المعتادة، والمقدرة بنحو 12 مليار متر مكعب، إذ واصلت أديس أبابا ملء سد النهضة وتعويض فاقد البخر في التوقيت ذاته، دون أي مراعاة لظروف الجفاف التي تعيشها دول المصب. وهنا يكمن جوهر المشكلة: أزمة طبيعية تحوّلت إلى أزمة وجودية بفعل قرار أحادي.

وحذر الخبراء من أن ما يحدث الآن ليس استثناءً عابراً، بل نموذج مرشح للتكرار كل عام تشهد فيه الهضبة الإثيوبية تراجعاً في الأمطار، ما دامت إثيوبيا تتعامل مع تشغيل السد بمعزل عن أي تنسيق أو التزام بحصص مائية دنيا لدول المصب في سنوات الشح.

تأخر التحرك
يرى عدد من المراقبين أن جانباً من الأزمة يعود إلى تراكم سنوات من التعامل السياسي الذي اكتفى ببيانات التنديد وتجميد المسارات التفاوضية، دون امتلاك أوراق ضغط ميدانية أو سياسية فاعلة. هذا النمط من التعاطي، بحسب هذه القراءة، منح أديس أبابا مساحة واسعة لفرض سياساتها المائية واختبار مدى قدرة مصر والسودان على الصمود عند وقوع أزمة جفاف فعلية، وهو ما يجعل التحرك الرسمي يأتي غالباً بعد وقوع الضرر لا قبله، ومع ذلك يطالبون بسرعة التحرك متمسكين بالمثل “أن تاتي متأخرا خيرا من أن لا تأتي”.


السودان يدفع الثمن مباشرة

يتحمل السودان حالياً العبء الأكبر للأزمة. فقد أدى انكشاف قاع النهر وظهور الجزر الرملية إلى خروج محطات مياه شرب رئيسية عن الخدمة، من بينها محطة الصالحة جنوب أم درمان ومحطات في مدينة بحري، بسبب ارتفاع نسب الطمي وتفشي الطحالب. وفي ظل غياب أي تنسيق إثيوبي لفتح البوابات السفلية للسد، اضطر مواطنون للاصطفاف في طوابير طويلة للحصول على مياه الشرب.

مصر: خطاب الطمأنة.. وحدوده
في المقابل، تعتمد الحكومة المصرية خطاباً يركز على قدرتها على احتواء الأزمة، مستنداً إلى نقطتين رئيسيتين وهما ، مخزون بحيرة ناصر، حيث تشير إلى أن السد العالي يمتلك مخزوناً استراتيجياً يكفي البلاد نحو خمس سنوات مقبلة، بفضل الفيضانات المرتفعة في السنوات السابقة.

كما تعتمد الحكومة المصرية على الحلول الهندسية والبديلة، مثل إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي، والتوسع في الري الحديث، وتوطين تكنولوجيا معالجة المياه.

ورغم استعداد الحكومة المصرية إلا أن خبراء الموارد المائية يحذرون من أن هذه الإجراءات، رغم فائدتها في امتصاص الصدمة الآنية، تظل حلولاً “تسكينية” بطبيعتها، فمع استمرار سنوات الجفاف، وبقاء إثيوبيا متمسكة بإدارة السد بمعزل عن أي اتفاق ملزم، سيظل المخزون الاستراتيجي المصري تحت ضغط متزايد ومتكرر، بدلاً من أن يكون حلاً نهائياً للأزمة.

تحرك دبلوماسي.. لكن هل يكفي لمنع التكرار؟
وفي محاولة لتدارك الموقف، اتجه التنسيق المصري السوداني مؤخراً إلى تدويل الملف عبر تقديم وثائق موثقة لمجلس الأمن تثبت الضرر المباشر الذي لحق بالسودان، من تعطل محطات الشرب إلى انقطاع حصة يوليو الكاملة، كدليل على مخالفة إثيوبيا للقانون الدولي.

كما تسعي الدبلوماسية المصرية لتحويل الدعم الأمريكي المبدئي إلى آلية تفاوضية ملزمة تحت رعاية دولية، تحول دون انفراد إثيوبيا بالقرار.

وتعمل الدبلوماسية المصرية حاليا على إعادة تفعيل “الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل” المرتبطة باتفاقية 1959، مع المطالبة بإلزام إثيوبيا بخفض توليد الكهرباء من السد بنسبة تصل إلى 80% في سنوات الشح المائي، لإعطاء الأولوية لتمرير التدفقات الأساسية اللازمة للحياة البشرية.
فتح قنوات مع دول حوض النيل الجنوبي، مثل تنزانيا، عبر مبادرات تنموية مشتركة، في محاولة لاستعادة الإجماع الإفريقي وعزل الموقف الإثيوبي.

وأكد الخبراء وبعض السياسيين المتابعين للملف على أن ما تشهده منطقتا الخرطوم والقاهرة هذا العام ليس حدثاً منعزلاً، بل مؤشراً على نمط سيتكرر كلما تراجعت الأمطار فوق الهضبة الإثيوبية، طالما ظل تشغيل سد النهضة خاضعاً لمنطق الأمر الواقع بمعزل عن أي إطار تنسيقي ملزم.

وبين خطاب رسمي يسعى لتهدئة القلق الشعبي، وواقع ميداني يكشف هشاشة الاستعداد لمواجهة الجفاف، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الجهود الدبلوماسية الحالية في تحويل موازين القوة، أم يظل التحرك، كما جرت العادة، رد فعل متأخراً على أزمة كان يمكن توقعها؟.
تقرير شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى