مقالات

انفصام في الجونة: استباحة القبلات باسم الحرية ومحاربة الحجاب باسم التنوير!

كتبت الحركه الفنية المصرية مؤخراً فصلاً جديداً من فصول التناقض الإنساني والأخلاقي، وقد تجلى المشهد بوضوح في تجمع فني أقيم على هامش فعاليات مهرجان الجونة السينمائي.

وخلال ندوة مخصصة لمناقشة “البطولة النسائية في السينما”، تصدر المشهد حديث حاد شنه الكاتب والمنتج المصري مدحت العدل بمشاركة وتأييد الفنانة يسرا والفنانة ليلى علوي، حيث وصف “العدل” المجتمع بـ “المجتمع السلفي المتخلف والمعادي للمرأة والفن”.

وجاء السجال الأكبر حين اختزل الإشكال في مظهر المرأة وطريقة لباسها قائلاً: “دلوقتي لو قلعتي أي حاجة إنتي ست كافرة”، لتوافقه يسرا الرأي مبدية دهشتها ومستنكرة ما أسمته بـ “الردة” المجتمعية.

إن هذا الطرح لا يعكس أزمة واقع بقدر ما يعكس ازدواجية معايير صارخة تقع فيها فئة تدعي أنها مناصرة للحرية لامرأة، حيث تدافع باستماتة عن حرية المظهر المنفتح، بينما ترفض حق الآخرين في اختيار الاحتشام والالتزام الديني.

مفارقة المشهد: حرية القبلات وتجريم العفة

وقد تجلى مشهد المفارقة الحقيقية عند تأمل الأجواء العامة للمهرجان نفسه؛ إذ ضجت منصات التواصل الاجتماعي وشاشات العرض بالعديد من الصور ومقاطع الفيديو المبثوثة من كواليس مهرجان الجونة، والتي وثقت حجم “الأحضان” والقبلات المتبادلة بحفاوة بالغة بين الفنانين والفنانات، وبخاصة النجمات ليلى علوي، ويسرا، وإلهام شاهين.

هذه السلوكيات التي تمارس علنا وتحاط بهالة من الاحتفاء والإشادة تحت لافتة “الحرية الشخصية” و”عفوية المشاعر وصداقة السنين”، تضعنا أمام تساؤل أخلاقي وقانوني عريض: لماذا يسمح لطرف بأن يمارس حريته المطلقة في التعبير عن قناعاته بلا قيود، بينما يصادر هذا الحق تماماً من الطرف الآخر الذي يفضل الاحتشام والتمسك بما يأمره به الدين؟.

إن حصر مفهوم “الحرية” في التحلل من الضوابط المجتمعية مع الهجوم الشرس على أصحاب الفكر المحافظ يثبت أننا لسنا أمام حوار ثقافي حقيقي، بل أمام رغبة غير معلنة لنمذجة المجتمع وفق لون واحد، واعتبار أن أي مظهر للتدين الطبيعي هو تهديد للحداثة والتطور.

درس يوسف الشريف نموذجا

هذه الازدواجية الفجة لا تقتصر على الهجوم الشفهي ضد المحجبات، بل تمتد لتطال الفاعلين داخل الوسط الفني أنفسهم ممن يختارون وضع ضوابط أخلاقية لعملهم.

وخير دليل على ذلك هو الهجوم الشرس والواسع الذي تعرض له النجم يوسف الشريف سابقاً حين أعلن صراحة عن رفضه التام لأداء “المشاهد الساخنة” أو تبادل القبلات والأحضان في أعماله الفنية، وحرصه على تدوين ذلك كبند رسمي في عقوده.

حينها، قوبلت قناعة الشريف الشخصية -التي لم يفرضها على أحد سوى نفسه- بموجة عارمة من السخرية والتشكيك والاتهامات بالرجعية من قِبل زملائه ونقاد ينتمون لنفس تيار “الجونة”.

كما قادت الفنانة إلهام شاهين الهجوم عليه وعلى مخرج آخر إدعت أنه كان يوقف التصوير لأداء الصلاة، مبررة أنه يسبب تأخير في العمل وخسائر للإنتاج.

هذا التباين يفضح زيف شعارات “قبول الآخر”؛ فالجسد والخيارات الشخصية تصبح “ملكا حرا” فقط إذا اتجهت نحو التحلل والتعري، لكنها تتحول فجأة إلى محط اتهام ومحاربة إذا اختارت العفة أو وضعت حدوداً أخلاقية تحترم وجدان المشاهد العربي.

إن الدفاع عن الحريات لا يمكن أن يكون مجتزأ أو مشروطا بتبني رؤية أحادية لنمط الحياة الفنية، والإنصاف يقتضي أن تدرك النخبة أن قوة المجتمعات تكمن في قدرتها الفطرية على احترام خيارات الأفراد، ليبقى التدين والالتزام بالاحتشام حقا أصيلا غير قابل للتهميش أو التشويه.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى