مات بائع الظل… وعاش صُنّاع الاحتياج!!

تخيّل رجلًا يجلس تحت شجرة في طريق عام، لم يغرسها ولا يملك أرضها، ويبيع ظلّها للعابرين. ستضحك من وقاحته، لكنك قد تدفع إذا اشتدّت الشمس وخذلتك ساقاك. هنا تبدأ الحكاية: الحاجة قد تمنح المحتال سلطة لا يستحقها. وحين يتجاوز التعب قدرتك على الاعتراض، يستطيع أحدهم أن يقف بينك وبين حقك، ثم يطالبك بشكره.
اختفى بائع الظل بصورته القديمة، لكن تجارته اتّسعت. ارتدى بدلة أنيقة، وفتح حسابًا موثّقًا. كان ينتظر الشمس ليعمل، أما اليوم فتعلّم صناعة الشمس فوق رأسك، ثم عرض عليك اشتراكًا شهريًا في الظل. هذه هي النقلة الكبرى: أن تصنع الاحتياج أو تؤجّجه، ثم تتكرّم ببيع الحل.
ولكلّ محتاجٍ بائع يعرف كيف يصل إليه. فقد يمتلئ حسابك، وتظلّ محتاجًا إلى الحب أو القبول أو الطمأنينة. ليست حاجتك عيبًا؛ العيب فيمن يمنحك ما يكفي لتعود، لا ما يكفي لتشبع.
ظهر بائع المكانة، يقنعك أن قيمتك تحتاج شهادة من عيون الآخرين. تستعرض بيتك وسيارتك لتثبت نجاحك لمن لم يسألك أصلًا. تتجاوز قدرتك كي تبدو قادرًا. لقد باعك سلّمًا، وأخفى أن كل درجة فيه ترفع سقف المطلوب.
وعلى شاشة هاتفك، يطلّ وجه يختصر الحياة في رحلة وعطر وقهوة أمام البحر، حتى يبدو يومك العادي دليلًا على فشلك. تقارن زواجك بلقطة منتقاة، وتعبك بابتسامة مدفوعة الأجر. تدفع ثمن المنتج، ثم تدفع من رضاك ثمن الرغبة فيه.
وحين ترهقك الحيرة، تجد بائع اليقين مستعدًا. يعرف سبب كل مصيبة، ونيّة كل مخالف، والطريق الوحيد للنجاة. يمنحك عدوًا واضحًا وتفسيرًا مريحًا. تدخل طلبًا للفهم، فتجد نفسك تدافع عمّا لم يُسمح لك بفحصه. يبيعك راحة الإجابة، ويسلبك حقّ السؤال.
وهناك من يخيفك من المستقبل والناس وكل تجربة جديدة، ثم يعرض عليك حمايته. يصبح الانكماش حكمة والعجز احتياطًا.
وإذا اطمأننت، أخرج لك كارثة أخرى من المخزن.
وقد تأتيك الحيلة في همسة تبدو حريصة على جمالك: وجهك يحتاج تعديلًا، وعمرك يحتاج إخفاءً، وبساطتك تحتاج اعتذارًا. وما إن يهدأ قلقك حتى تتغيّر المقاييس؛ فكل مصالحة مع نفسك خسارة محتملة في دفاتر بائع القبول.
حتى العلاقات دخلها الباعة. هناك من يبيع الاهتمام بالتقسيط: جرعة قرب، ثم غياب محسوب، ثم عودة تكفي لتواصل الانتظار. تصبح الرسالة مكافأة، والردّ منّة. قد تنفق سنوات لتستعيد دفء أسبوع واحد؛ كان ذلك الأسبوع واجهة المحل. وقد تدافع عن الاستنزاف؛ لأن الاعتراف بالخديعة سيجبرك على مواجهة كل ما دفعته.
لكن الإنصاف يقتضي أن نميّز بين من يقدّم منفعة ومن يتاجر بجرح. فالطبيب يعالج، والمعلّم يشرح، وصاحب المهنة يستحق أجره. يبدأ الخداع حين يتعمّد أحدهم إبقاءك محتاجًا إليه، ولو كان في تحرّرك منه مصلحتك. والسؤال الذي يكشف الصفقة: هل أخرج منها أقدر على حياتي، أم أشدّ احتياجًا لمن باعني إياها؟
ولنا، نحن المشترين، نصيب من المسؤولية، وإن لم تتساوَ قدرتنا على المقاومة.
أحيانًا نلمح الخديعة ونؤجّل مواجهتها؛ فالوهم يمنحنا مهلة من ألم الحقيقة.
نشتري تفسيرًا يبرّئنا، وصورة تلمّعنا، ووعدًا يؤجّل قرارًا نخشاه. وقد نغضب ممّن يكشف الخديعة أكثر ممّن صنعها؛ لأنه يفسد علينا العذر الذي احتمينا به. الوعي يبدأ بالسؤال الذي نتجنّبه: ماذا أحاول أن أشتري، وممّ أحاول الهرب؟
وأقسى الخسائر أن نعتاد هذه السوق، فنمارس تجارتها على بعضنا: نمنح القبول بشروط، ونستخدم الخوف لضمان الطاعة، ونحجب الاهتمام لنرفع ثمنه. عندها ينتقل بائع الظل من تحت الشجرة إلى داخلنا. نلعن من يستغلّ حاجتنا، ثم نساوم من يحتاج إلينا.
كان من يدفع لبائع الظل يجد، على الأقل، دقائق يستريح فيها من الشمس. أما بعض ورثته فيأخذون مالك ووقتك وثقتك بنفسك، ويتركونك في الحر، تحمل فاتورة مكتوبًا عليها: «حياة أفضل».
فهل اختفى بائع الظل فعلًا… أم أنه تعلّم كيف يحرق الشجرة، ثم يبيعنا المظلّات؟
بقلم محمود حمدى
