بأيدينا قتلنا قوتنا: الجامعة العربية من “حلم الوحدة” إلى “مراسم العزاء”
"عاصفة الخليج": بين عجز المؤسسة وصراع الأقطاب!!

عندما وُلدت جامعة الدول العربية، لم تكن مجرد كيان إداري باهت، بل مشروعًا سياسيًا جريئًا لصناعة درعٍ عربي موحد، وصوت قادر على كسر هيمنة إمبراطوريات الاحتلال الأوروبي وموازنة صعود النفوذ الأمريكي.
كان الحلم واضحا: وحدة تحمي، وموقف يفرض نفسه.
لكن ما حدث لم يكن سقوطًا عابرًا… بل تفكيكا ممنهجا بأيد عربية.
تحوّل ذلك الكيان، الذي أُريد له أن يكون حصنًا للسيادة، إلى ساحة صراع للزعامة الفردية، ومعولٍ يهدم أي محاولة حقيقية للتنسيق أو الفعل المشترك. وهكذا، لم تُهزم الفكرة من الخارج بقدر ما أُفرغت من الداخل، حتى صار العرب اليوم يقفون متفرقين، عُزّلًا سياسيًا، في مواجهة صواريخ إقليمية وتحالفات دولية لا ترى فيهم سوى هامشٍ يمكن تجاهله.
والمفارقة الأكثر قسوة أن الدولة التي ساهمت، بشكل أو بآخر، في إضعاف هذا الكيان، هي نفسها التي يعلو صوت مواطنيها الآن غضبًا واحتجاجًا على غيابه، مطالبين بالانسحاب منه، وكأنهم يصرخون في فراغ صنعته السياسات ذاتها: ما جدوى مؤسسة لم تحضر ساعة الشدة.
الحرب الكاشفه لعورة الجامعة
فقد كشفت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى — على مسرحٍ عربي مفتوح في الخليج — حجم الفراغ العربي، وعرّت بوضوح مدى الحاجة إلى جامعةٍ عربيةٍ حقيقية، لا مجرد اسم بلا تأثير.
لم تعد المسألة ترفًا سياسيًا أو حنينًا إلى شعارات الوحدة، بل ضرورة وجودية؛ فحين تتحول الأرض العربية إلى ساحة صراع للآخرين، وتُدار المعارك فوقها لا بها، يصبح غياب القرار العربي الموحد أخطر من أي تهديد خارجي. عندها فقط يتجلى السؤال القاسي: كيف لأمةٍ بلا مظلة سياسية فاعلة أن تحمي أمنها، أو حتى تفرض مجرد حضورها في معادلة تُكتب بدمائها؟.
الطموح القاتل وتآكل الجسد العربي
بدأ الهدم المنهجي للجامعة عندما غلّبت بعض القوى العربية—خاصة الطموحات الصاعدة في الخليج—أجنداتها الخاصة على مصلحة “الأمة”.
فمنذ ثورات 2011، لم يعد الهدف تقوية المؤسسة الأم، بل تطويعها لتكون “ختماً” يشرعن التدخلات في شؤون الدول الأعضاء (كما حدث في اليمن وليبيا وسوريا)، والتأثير على الأحداث في مصر وتونس بدعم مؤسسات وأشخاص على حساب الثورة خوفا من نجاح نموذج ديمقراطي عربي.
هذا التنافس على “من يقود العرب؟” كان واضحا خاصة في السنوات الأخيرة بين الرياض وأبوظبي، مما جعل الجامعة ساحة لتصفية الحسابات بدلاً من بنائها، مما أضعف هيبتها أمام الخصوم قبل الأصدقاء.
الاختبار الصعب: الخليج تحت النار
اليوم، وفي ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، يدفع العرب ثمن هذا “الهدم الذاتي”. الصواريخ والمسيرات التي تنهمر على القواعد الأمريكية في الكويت والسعودية والإمارات والبحرين، مخلفةً خسائر بشرية ومادية موجعة، كشفت الحقيقة المرة: الجامعة العربية “جثة سياسية” لا تملك دفع الضرر عن أعضائها.
التباكي على الأنقاض
من المثير للسخرية السوداء أن نرى ذات القوى التي ساهمت في تهميش الجامعة وتجاوز ميثاقها الدفاعي، هي اليوم من تتباكى عليها وتطالب بمواقف “عربية موحدة” لمواجهة الخطر الإيراني. لقد أضعفوا الجامعة بالتحالفات المنفردة واتفاقيات التطبيع التي تجاوزت “الإجماع العربي”، والآن، عندما دقت طبول الحرب فوق رؤوسهم، لم يجدوا المؤسسة القوية التي قزموها بأيديهم لسنوات طويلة.
الارتهان للخارج كبديل للعجز
بسبب هذا الضعف المفتعل، لم يعد أمام دول الخليج سوى الارتماء في حضن “الحماية الغربية”. فبينما تُصدر الجامعة بيانات “الإدانة” الهزيلة، تتحرك البوارج الأمريكية والبريطانية لحماية الممرات المائية. هذا المشهد يلخص المأساة: أمننا القومي يُدار بعقول وأسلحة أجنبية، لأننا اخترنا قتل “قوتنا الذاتية” في لحظات طيش سياسي وتنافس محموم على ريادة وهمية.
إن ما يحدث اليوم هو النتيجة المنطقية لسنوات من تغليب “الأنا” على “نحن”، فالجامعة العربية لم تفشل وحدها، بل أفشلها حكام ظنوا أن قوتهم في إضعاف جيرانهم أو السيطرة على القرار الجماعي. والآن، والصواريخ تعبر الحدود، ندرك متأخرين أننا “أُكلنا يوم أُكل الثور الأبيض”، وأن البكاء على الجامعة لن يعيد لها الروح ما لم تتغير عقلية “الهيمنة” التي قتلتها.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

