مقالات

لبنان بين “مطرقة” الغارات الإسرائيلية و”سندان” الهدنة الهشة: أين الحزم العربي؟

الجنوب يعني من معضلة ازدواجية النقد العربي وحتمية الفعل الإيراني"

يواجه لبنان اليوم واحدة من أعنف موجات التصعيد العسكري، حيث تحولت قراه في الجنوب والبقاع إلى ساحات دمار حصدت مئات الضحايا.

وفي ظل هذا المشهد الدامي، يبرز تساؤل جوهري حول “الهدنة الباكستانية-الإيرانية” ومدى شمولها للبنان، وسط انتقادات حادة لما يوصف بـ “الموقف العربي المتفرج”.

كما تتجلى مأساة المشهد اللبناني اليوم في تلك المفارقة الصارخة؛ فحين تتدخل طهران لدعم حلفائها ومساندة لبنان ميدانياً، تنهال الاتهامات العربية بـ “التدخل في الشؤون السيادية”، وحين تترقب العيون أي تهدئة، يرتفع التساؤل العربي ذاته: “أين إيران؟”.
هذا التناقض يعكس عمق الفراغ الذي خلّفه غياب مشروع عربي حقيقي؛ فنجاح الهدنة في شمول لبنان لا يمكن أن يظل رهيناً بضغوط “المحور الإيراني-الباكستاني” وحده، بل يتطلب انتقالاً عربياً جذرياً من مربع “التمنيات الدبلوماسية” والمناشدات الخجولة، إلى مربع “القرار السياسي الضاغط”.

إن الاستمرار في سياسة “توصيف الإجرام” الإسرائيلي دون اتخاذ إجراءات عقابية أو سياسية فاعلة، لا يترك للبنان خياراً سوى الارتماء في أحضان القوى التي تملأ الفراغ ميدانياً، مما يجعل من “عدم الحزم العربي” شريكاً غير مباشر في استفراد آلة الحرب الإسرائيلية بقرى الجنوب وجعل دماء النازحين مجرد أرقام في بيانات التنديد.

الموقف العربي.. بين “بيانات الاستنكار” وغياب “الفعل الحازم”
يرى مراقبون وشريحة واسعة من الشارع اللبناني أن الموقف الرسمي العربي، المتمثل في جامعة الدول العربية والبيانات الفردية، لا يزال يراوح مكانه في دائرة “الإدانة والقلق”.

فالتحركات العربية “غير حازمة”، حيث تفتقر إلى أدوات ضغط حقيقية (سواء اقتصادية أو دبلوماسية) لإجبار المجتمع الدولي وإسرائيل على وقف العدوان.

بل وصفها البعض بازدواجية الخطاب، فبينما يطالب العرب واشنطن بالضغط على إسرائيل، يرى البعض أن غياب “كتلة عربية موحدة” تضع شروطاً صارمة لربط استقرار المنطقة بوقف النار في لبنان، هو ما أعطى الضوء الأخضر لاستمرار الغارات.

وطبعا يبرر البعض هذا “التردد” العربي بالخشية من الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة أو الرغبة في عدم منح “نصر سياسي” للأطراف المدعومة من إيران، لكن ثمن هذا التريث يدفعه المدنيون في لبنان.

فالواقع يؤكد ان لبنان اليوم ليس بحاجة لـ “أخ” يشجب، بل لـ “شريك سياسي” يجرؤ على كسر قواعد اللعبة الدولية لإنقاذ ما تبقى من أشلاء ودماء في قرى الجنوب.

سيناريوهات الضغط (الباكستاني-الإيراني) لفرض الهدنة
في المقابل، تخوض طهران وإسلام آباد معركة دبلوماسية لانتزاع “اعتراف” بأن هدنة الأربعاء تشمل لبنان:
ورقة “مفاوضات السبت”: تضغط باكستان وإيران عبر التلويح بأن استمرار استهداف لبنان يعني “فشل” المسار الدبلوماسي الجاري في إسلام آباد، مما يضع واشنطن في موقف محرج كراعية للاتفاق.

الضغط بـ “أمن الطاقة”
التلويح الإيراني بالعودة لإغلاق الممرات المائية (مضيق هرمز) إذا استمر استثناء لبنان من التهدئة، وهو سلاح اقتصادي يهدف لتحريك القوى الغربية المتلكئة.

كما تسعى طهران لإيصال رسائل واضحة بأن “وحدة الجبهات” لا تزال قائمة، وأن التهدئة في مكان واحد (إيران) لا تعني الاستفراد بمكان آخر (لبنان).

الموقف الإسرائيلي والغربي.. استغلال “الفراغ العربي”

تستغل إسرائيل حالة “عدم الحزم العربي” لترسيخ معادلة مفادها أن لبنان ساحة منفصلة، مستفيدة من الصمت الدولي وغياب الضغط العربي الفعلي. فواشنطن، ورغم انخراطها في الهدنة مع إيران، لا تزال ترفض ممارسة ضغط حقيقي على نتنياهو لوقف النار في لبنان، طالما أن الرد العربي لا يتجاوز سقف الدبلوماسية التقليدية.

وفي الأخير ، يبقى لبنان ضحية “صراع الإرادات”؛ فبينما تحاول إيران وباكستان توظيف الهدنة لحماية حلفائهم، يكتفي العرب بـ “المراقبة” والمطالبة بالحلول السلمية دون أدوات تنفيذية.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى