مدونات عرب بوست

العدل الذي لا يراه أحد!!!

لا يبدأ الظلم دائمًا من يدٍ تمتد لتأخذ حقًا، ولا من صوتٍ يعلو، ولا من قسوةٍ يعرفها الناس باسمها. أحيانًا يبدأ في مكانٍ أكثر هدوءًا؛ في طفلٍ يعتاد أن يرى الحب موزونًا بغير ميزان، والإنصاف مؤجلًا، والصمت مطلوبًا، حتى يصبح غياب العدل جزءًا من شكل الحياة.

فالطفل لا يولد وهو يعرف معنى العدل، بل يتعلمه من أول بيتٍ يقرر له: متى يستحق الاهتمام، ومتى يجب أن يصمت، ومتى يكون ألمه مفهومًا، ومتى يُطلب منه أن يتجاوزه كأن شيئًا لم يحدث.

وهنا تكمن الخطورة: أن الطفل لا يسمي ما يعيشه ظلمًا، لأنه لا يملك عالمًا آخر يقارن به عالمه.
إنه يصدق ما يحدث حوله كما لو كان هو الأصل، ثم يكبر وفي داخله ميزانٌ لم يختره.

وأخطر ما يتركه البيت في أبنائه ليس الفقر، ولا المرض، ولا حتى الجراح الواضحة، بل ميزانٌ مختلٌّ للعدل.
فما اعتاده الطفل عدلًا… قد يقضي عمره كله يكرره، قبل أن يكتشف يومًا أنه لم يكن عدلًا أصلًا.

فالعدل لا يبدأ عندما يتساوى الأبناء في ما يأخذون، بل عندما يتساوون في ما يشعرون به. قد يخرج طفلان من البيت نفسه، يحمل أحدهما يقينًا بأنه محبوب، بينما يكبر الآخر وهو يحاول طوال عمره أن يملأ فراغًا لم يصنعه.

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية؛ حين ينجح البيت في تربية طفلٍ لا يجرؤ على الاعتراض.
حتى إذا ظُلِم، ظن أن الصمت فضيلة، وأن الاعتراض وقاحة، وأن الألم جزءٌ طبيعي من الحياة. فيكبر وهو يحسن احتمال الظلم أكثر مما يحسن طلب العدل.

وليست الكارثة أن تخطئ بعض البيوت، فالبيوت كلها تخطئ، وإنما أن يتحول الخطأ إلى منطقة محرمة لا يجوز الاقتراب منها، وأن يصبح طلب الإنصاف تمردًا، والصمت أدبًا، والألم سوء فهم. عندها لا يضيع العدل مرة واحدة، بل يضيع مرتين؛ مرة حين يغيب، ومرة حين يُمنع الإنسان حتى من الاعتراف بغيابه.

وما لا يجرؤ بيت على الاعتراف به… لن يجرؤ مجتمع على إصلاحه.

فالجرح الذي لا يُعالَج… يُورَّث.

ولهذا، فمراجعة البيت ليست عقوقًا، بل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
فالبر لا يغيّر اسم الظلم، والعدل لا ينتقص من مقام الوالدين، بل يمنحه معناه الحقيقي.
وحرمة البيت لا تكون بإخفاء أخطائه، بل بالشجاعة على إصلاحها قبل أن تتحول إلى قدرٍ يعيشه الأبناء.

ويبقى السؤال الذي لا أظن أن مجتمعًا يستطيع الهروب منه طويلًا:

إذا كنا نحاسب الإنسان على ما أصبح عليه… فمتى نحاسب أنفسنا على أول صورةٍ للعدل زرعناها فيه؟

لأن أول قانونٍ يحكم الإنسان لا يُكتب في دفاتر الدولة… بل يُزرع داخل البيت.

بقلم محمود حمدي

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى