مقالات

زلزال أثري يضرب السردية التلمودية: كيف حطمت كشوفات مصر والمغرب أسطورة الـ 6000 عام؟

لأكثر من ألفي عام، ظل الوعي الإنساني محاصرا داخل إطار زمني ضيق وتصور عرقي محدد لقصة الخلق ونشأة البشرية.

هذا الإطار الزمني والثقافي، الذي استمد قسوته من القراءات الحرفية للنصوص التلمودية والتوراتية، صور التاريخ البشري كشريط فيلم قصير لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، وجعل سلالة بعينها هي محور البشرية وتدور حولها حضارات الأرض، متجاهلة بقية أبناء آدم.

ومع زيادة النهضة العلمية الحديثة، وثورة الاكتشافات الأثرية التي تقودها الدول العربية، وبخاصة مصر اليوم، جاءت لتكسر هذه القضبان المعرفية، وتفتح الباب أمام صياغة “تاريخ عالمي حقيقي” يعيد للإنسان وحضاراته اعتبارهما المستحق.

أسطورة السلالة المركزية والمختارة
اعتمد التاريخ الإنساني على “التأريخ التلمودي”، والذي اعتد هو الآخر على حسابات حسابية جامدة في “أنساب سفر التكوين”، لتبلغ بالبشرية جمعاء عمراً افتراضياً لا يتعدى الستة آلاف عام، بالمخالفة للواقع الذي عاشه الانسان.

لم يكن هذا الفكر مجرد قراءة لاهوتية، بل تحول – مدفوعاً بـ “السيطرة والمركزية الأوروبية” في القرن التاسع عشر، الذي شهد انهيار الامبراطورية الإسلامية المتمثلة في الخلافة العثمانية، والتوظيف السياسي للحركة الصهيونية لاحقاً – إلى أداة لفرض سلالة بذاتها (بني إسرائيل) كخط سير وحيد للنبوة والشرعية التاريخية، مهمشاً في طريقه شعوباً وحضارات ضاربة في القدم كالحضارة المصرية والآشورية.

القنبلة الأثرية المغربية
جبل المغرب وتفكيك المدة الزمنيةأمام هذا الاختزال المعرفي، وقفت الأرض لتنطق بحقائقها؛ ففي عام 2017، أحدث اكتشاف البقايا البشرية في جبل إيجود بالمغرب زلزالاً في علم الأنثروبولوجيا.

لقد أثبت العلماء أن الإنسان العاقل كان يطأ الأرض قبل 300 ألف عام، وهذا الاكتشاف وحده لم يسقط فقط حسابات الآلاف الستة، بل أثبت أن الوجود البشري ممتد وعميق في الجغرافيا الإفريقية الشاسعة، بعيداً جداً عن حصر البشرية في بؤرة جغرافية ضيقة أو جدول زمني قاصر.

تفكيك لغز الهكسوس وبناة الأهرام
تقف مصر اليوم في طليعة الثورة الفكرية ضد الفلك التلمودي، حيث نجحت الاكتشافات الميدانية الأخيرة في منطقة شرق الدلتا (مثل تل الضبعة وأفاريس) في إعادة رسم خريطة الوجود الآسيوي في مصر القديمة من خلال محورين حاسمين الأول هو :
حقيقة الهكسوس وبني إسرائيل:
حاولت القراءات التوراتية قديماً دمج قصة “خروج بني إسرائيل” مع “طرد الهكسوس” لتضخيم حجمهم التاريخي، إلا أن الحفريات المصرية في عاصمة الهكسوس (أفاريس) أثبتت أن الهكسوس كانوا تحالفاً من شعوب آسيوية كنعانية تسللت تدريجياً عبر التجارة والهجرة، ولم يكونوا كتلة واحدة قوامها “بنو إسرائيل”.

كما أكدت الآثار أن طرد الهكسوس كان حرب تحرير عسكرية مصرية قادها الملك أحمس الأول، وهي عملية طرد جماعي حربي لا صلة لها بالقصص التوراتية.

نسف أسطورة بناء الأهرامات:
أما العنصر الثاني فقد جاء لنسف الادعاء بأن بنو إسرائيل هم بناة الأهرامات والتي طالما روج الفكر التلمودي أن بني إسرائيل هم السخرة الذين بنوا أهرامات الجيزة.

وقد جاء اكتشاف مقابر بناة الأهرام بواسطة علماء الآثار المصريين ليثبت بالدليل القاطع أن بناة الأهرام كانوا عمالاً ومزارعين مصريين أحراراً عاشوا وماتوا ودُفنوا شرفاء، وذلك قبل قرون طويلة من الوجود المفترض لبني إسرائيل أو حتى الهكسوس في مصر.

شهادة لوحة مرنبتاح الصامتة:
ويظهر الذكر الوحيد واليتيم لاسم “إسرائيل” في الآثار المصرية على لوحة الملك مرنبتاح (بالمتحف المصري)، حيث وصفوا كجماعة قبلية أو رعاة مستقرين في هضاب كنعان تم إخضاعهم عسكرياً، وجاء النص ليعلن: “إسرائيل بادت ولم يعد لها بذر”.
هذا يثبت أن إسرائيل في الوعي المصري القديم لم تكن إمبراطورية كبرى، بل مجرد فصيل قبلي ناءٍ على أطراف الإمبراطورية المصرية.

دور دول الجزيرة العربية في تعزيز الثورة الفكرية
وبالتوازي مع مصر، تقود المملكة العربية السعودية ودول الخليج ثورة أثرية موازية بشمال غرب الجزيرة العربية (العلا وتيماء)، حيث كشفت التنقيبات الحديثة عن طرق تجارية وحضارات عربية قديمة (مثل مملكة دادان ولحيان والأنباط) كانت تمتلك لغات وكتابات ونظماً سياسية متطورة متزامنة مع العصر الحديدي والبرونزي.

وأثبتت هذه الاكتشافات أن الجزيرة العربية لم تكن “فراغاً جغرافياً” ينتظر السردية التوراتية لتمنحه الشرعية، بل كانت مركزاً حضارياً ضخماً أثر في لغات الشام ومصر وتأثر بها بشكل مستقل تماماً.

وبالتالي تتحول الدول العربية اليوم من موقع “الدفاع” أو تلقي التاريخ المكتوب في الغرب، إلى موقع “الهجوم العلمي الممنهج”، من خلال تأسيس المتاحف الكبرى (مثل المتحف المصري الكبير) ودعم البعثات الأثرية الوطنية، وتطبيق فحص الحمض النووي (DNA) على المومياوات والآثار، تصبح المؤسسات العربية هي المرجعية الأولى لتاريخ المنطقة.

هذا الدور الأثري هو الكفيل بإنهاء عصر “تسييس الآثار” الذي مارسته المدارس الاستشراقية والتلمودية، وإعادة صياغة تاريخ الشرق الأوسط بناء على ما تنطق به الأرض، لا ما تخطه رغبات الأيديولوجيا السياسية.

شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى