التشريع وحده لا يكفي!!
تعديل قانون الأسرة خطوة لا يمكن إنكار أهميتها، فهو في جوهره محاولة لإعادة التوازن داخل كيان هو الأهم في المجتمع: الأسرة.
لكنه، كأي قانون، يظل مجرد نصوص صامتة إذا لم يواكبه وعي حقيقي وسلوك مسؤول من أطرافه.
فالمشكلة لم تكن يوماً في القوانين فقط، بل في النفوس التي تُدير العلاقات.
نحن لا نحتاج فقط إلى مواد قانونية تُنظم الحقوق، بل إلى قدرة إنسانية على ضبط النفس.
لأن أغلب النزاعات الأسرية لا تبدأ بخلاف كبير، بل بتراكمات صغيرة من الانفعال، العناد، وسوء التقدير.
كلمة زائدة، قرار متسرع، أو رغبة في كسب الجولة بدل الحفاظ على العلاقة… كلها شرارات تُشعل أزمات كان يمكن احتواؤها.
ضبط النفس هنا ليس ضعفاً، بل وعي.
أن تتوقف لحظة قبل الرد، أن تُقدّر العواقب، أن تفرّق بين كرامتك واندفاعك… هذا هو الفارق بين بيت يُبنى وبيت يُهدم.
وفي نفس السياق، تظل فكرة إعادة التوازن في الولاية داخل الأسرة من النقاط التي تستحق الطرح الهادئ بعيداً عن الصدام.
فالأسرة لا تُدار بالصراع على السلطة، بل بتكامل الأدوار.
الرجل ليس خصماً، والمرأة ليست نداً، بل شريكان في مسؤولية واحدة.
منح الرجل حقه الطبيعي في الولاية—بما يضمن المسؤولية قبل السلطة—لا يعني الانتقاص من دور المرأة، بل إعادة توزيع الأدوار بشكل يحفظ الاستقرار.
فالقيادة داخل الأسرة لا تُقاس بالسيطرة، بل بالقدرة على الاحتواء، وتحمل النتائج، واتخاذ القرار في الأوقات الصعبة.
وفي المقابل، لا يمكن الحديث عن حقوق دون الحديث عن واجبات.
فكل حق غير منضبط بوعي، يتحول إلى أداة ضغط، وكل قانون بدون ضمير، يصبح مجرد وسيلة للالتفاف لا للإصلاح.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً… أن جزءاً من الأزمة لم يعد داخل البيوت فقط، بل يُصنع يومياً على الشاشات.
في كثير من البرامج الحوارية، لم يعد الهدف فهم المشكلة، بل تصعيدها.
نرى طرفين في نزاع أسري يتحولان إلى مادة للعرض، تُدار بينهما المعركة على الهواء: صوت مرتفع، اتهامات متبادلة، ومذيع يبحث عن “الترند” لا الحل.
فينتهي المشاهد بانطباع أن الصدام هو القاعدة، وأن التفاهم استثناء.
وفي الدراما، تكرّرت نماذج تُغذّي نفس الفكرة: زوج خائن بشكل نمطي، زوجة في صراع دائم، أهل يتدخلون بشكل فج، ونهايات مفتوحة على مزيد من التوتر.
هذه الصور حين تتكرر، لا تعكس الواقع فقط… بل تُعيد تشكيله.
لأنها تزرع داخل المشاهد توقعاً دائماً بأن العلاقة معركة، لا شراكة.
المشكلة ليست في عرض المشكلات، بل في طريقة تقديمها.
بين التوعية والإثارة خيط رفيع… تم تجاوزه كثيراً.
نحن لا نحتاج إلى إخفاء الخلافات، بل إلى تقديمها بوعي:
حوار هادئ بدلاً من صراخ،
حلول واقعية بدلاً من تصعيد،
نماذج ناجحة تُلهم، لا قصص تُحبط.
وربما من المفيد أن ننظر لتجارب درامية تقدم المشاعر بشكل أكثر هدوءاً واتزاناً، حيث يتم التعبير عن الخلاف دون صخب، وعن الحب دون مبالغة، فيخرج المشاهد أكثر راحة لا أكثر توتراً.
لأن الإعلام، ببساطة، لا ينقل المجتمع فقط… بل يشارك في صياغته.
إذا أردنا فعلاً أن تنجح أي تعديلات قانونية، فعلينا أن نبدأ من الداخل:
نُربي أنفسنا قبل أن نطالب بحقوقنا.
نُدير خلافاتنا بعقل لا بانفعال.
نُدرك أن الحفاظ على الأسرة ليس انتصار طرف، بل بقاء كيان.
القانون قد يُنصفك مرة…
لكن وعيك هو ما يحميك دائماً.
بقلم محمود حمدي

