مدونات عرب بوست

صراع المنتصر فيه خسران..!!

أخطر ما يمكن أن يصيب العلاقات الإنسانية داخل البيت أن تتحول من سكنٍ ومودة إلى مساحة صراع خفي، يحاول فيها كل طرف أن يثبت أنه الأصح، والأقوى، والأقدر على كسب الموقف. ومع الوقت، يتحول البيت من مساحة أمان إلى ساحة شدّ وجذب، تُستهلك فيها المشاعر أكثر مما تُبنى.

لكن الحقيقة التي لا ينتبه لها كثيرون هي أن أي علاقة حين تتحول إلى صراع، لا يوجد فيها منتصر حقيقي… فالمعركة التي تُكسب فيها لحظة، قد تُخسر فيها حياة كاملة.

ومن أعمق ما وصل إلينا في التراث الأدبي العربي في فهم طبيعة العلاقات داخل البيت، وصية أمامة بنت الحارث لابنتها ليلة زفافها، والتي تُروى في كتب الأدب بصيغتها المشهورة، حيث قالت:

“أي بُنيّة، إنكِ فارقتِ البيت الذي منه خرجتِ، والعيش الذي فيه نشأتِ، إلى بيتٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه…
فكوني له أمةً يكن لكِ عبدًا، واحفظي له عشر خصال يكن لكِ ذخراً:

أما الأولى والثانية: فالصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة.
وأما الثالثة والرابعة: فالتعهد لموضع عينه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منكِ على قبيح، ولا يشم منكِ إلا أطيب ريح.
وأما الخامسة والسادسة: فالتعهد لوقت طعامه ونومه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة.
وأما السابعة والثامنة: فالاحتفاظ بماله، والإرعاء على حشمه وعياله.
وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمرًا، ولا تفشين له سرًا.

ثم إياكِ والفرح بين يديه إن كان حزنًا، والكآبة إن كان فرحًا…”

هذه الوصية، رغم قدمها، لا تتحدث عن غلبة ولا انتصار، بل عن فهمٍ عميق لطبيعة العلاقة: بيتٌ يُدار بالحكمة، ويُصان بالستر، ويُبنى بالمودة والاحتواء، لا بمنطق المواجهة.

لكن حين ننتقل إلى واقع كثير من العلاقات اليوم، نجد أن الخلافات الصغيرة تتحول أحيانًا إلى معارك صامتة، وكأن كل موقف يحتاج إلى فائز وخاسر، وكل اختلاف يجب أن يُحسم كأنه اختبار قوة.

وهنا تبدأ المأساة الهادئة.

فالطرف الذي “ينتصر” في موقف قد يخسر دفء العلاقة، وثقة الشريك، وإحساس الأمان داخل البيت.
والطرف الذي “ينهزم” مرارًا قد يفقد رغبته في الاستمرار أصلًا.
وفي النهاية لا يبقى منتصر… بل خاسران بأشكال مختلفة.

فالبيت لا يُقاس بعدد المواقف التي كسبها أحد الطرفين، بل بقدرتهما على حمايته من أن يتحول إلى ساحة صراع.
لأن المشكلة ليست في اختلاف الطباع، فهذا طبيعي، ولا في وجود الخلاف، فهذا حتمي،
لكن الخطورة حين يصبح الهدف هو الانتصار لا الفهم، والغلبة لا الاحتواء.

وهنا يفقد معناه الحقيقي:
لم يعد سكنًا… بل توتر.
لم يعد مودة… بل شدّ وجذب.
ولم يعد شراكة… بل معركة صامتة.

وتبقى وصية أمامة بنت الحارث، رغم اختلاف الزمن، تذكيرًا بأن البيوت لا تُبنى بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق الستر، والحكمة، وحسن العشرة.

وفي النهاية، الحقيقة التي لا تتغير عبر الزمن:
صراع المنتصر فيه خاسر،
لأن ما يُكسب في لحظة، قد يُفقد في حياة كاملة.
بقلم محمود حمدي

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى