الزواج بين الدين والدَّين!!

دينٌ يطالبنا بالعِفّة… ودَينٌ نُسدّده كي نعيش
لم يعد الزواج في وعينا الجمعي وعدًا بالحياة،
بل إيصالًا بالدفع.
لم يعد “ميثاقًا غليظًا”… بل جدول أقساط.
نحفظ النصوص التي تدعو إلى التيسير،
ونرددها في الخُطب،
ثم نعود لنصنع واقعًا يُكافئ التعسير ويُعاقب بعنف.
نرفع شعار “العفو” في الكلام…
ونُسقِطُه عند أول مشكلة .
أي مفارقة هذه؟
دينٌ يطالبنا أن نُخفف علي الشباب
ومجتمعٌ يُصرّ وضع يضع المقارنات و العراقيل
فنخرج من بينهما ممزقين:
قلوبنا مع الرحمة… وجيوبنا مع الدَّين.
الشاب اليوم لا يخاف من الزواج…
هو يخاف من فاتورته.
لا يتردد لأنه غير مسؤول…
بل لأنه يعرف أن البداية إستقطاب وتسهيل فقط
وأن أي تعثر بسيط فيما بعد قد يتحول إلى أزمة كبيرة.
نقترض لنبدأ،
ثم نعيش لنسدد.
وحين تتعثر الحياة.. وهي تتعثر دائماً..
نكتشف أننا لم نبنِ بيتًا… بل بنينا التزامًا طويل الأجل.
والأدهى أن هذا الثقل المالي لا يقف عند البداية.
يمتد إلى ما بعدها:
خلافات تتضخم لأن الطرفين منهكان،
نزاعات تُفتح لأن الضغوط أعلى من الاحتمال،
قضايا تتحول أحيانًا إلى وسيلة ضغط،
وممتلكات تُنازع، وحقوق تُشدّ في الاتجاهين،
فيتحول القانون الذي وُجد للحماية إلى ساحة نزاع بين مُثقَلين أحدهما ماليا والآخر عاطفيا.
هنا لا نتحدث عن أخطاء أفراد…
بل عن نظام كامل يحتاج إلى قرار أعلى من قدرة الأفراد على الإصلاح.
أزمة بهذا الحجم لا تُحل بنصائح،
ولا بمنشورات تحث على “القناعة”،
بل تحتاج إلى رؤيه تعيد تعريف البداية نفسها:
رؤيه المؤسسه الدينيه للحث علي التسامح في الطلبات و المؤسسه المالية بتقديم قروض حسنة حقيقية لا شكلية تُصرف بشفافية، وتُسدد بكرامة، دون إذلال أو اشتباه دائم.
قرار اخلاقي يضع سقفًا واقعيًا للمغالاة،
ويمنح الأفضلية للتبسيط لا للاستعراض.
قرار يُعيد ضبط ميزان العدالة،
فيحمي من يطلب حقه بحسن نية، ويردع من يستخدم الادعاء أو النزاع كأداة ضغط أو ابتزاز، ويصون الملكية بوضوح لا يتركها عرضة للتأويل.
قرار يفهم أن تأخر الزواج ليس اختيارًا حرًا،
بل نتيجة مباشرة لبيئة تُعاقب من يحاول أن يبدأ.
لسنا بحاجة إلى رفاهية لطرح حلول جزئية،
ولا إلى تبريرات أخلاقية تُحمّل الشباب ما لا طاقة لهم به.
نحن أمام لحظة تتطلب حسمًا:
إما أن نُسهل الحياة… أو نستمر في تعقيدها ثم نتعجب من نتائجها.
لأن الحقيقة القاسية هي:
مجتمع يبدأ فيه الحب بالدَّين…
سينتهي فيه كثير من مواقفة بالصراع.
وفي النهاية،
لن ينقذنا أن نُكثر من الكلام عن الدين،
إذا كنا نُصرّ أن نبدأ كل شيء بالدَّين.
ولعل البداية الحقيقية ليست في قانونٍ واحد، ولا في قرضٍ واحد، بل في قرارٍ مجتمعي شجاع يعيد تعريف “البداية” نفسها.
أن نُخفف ما لا ضرورة له، أن نُعيد الزواج إلى معناه الأول: سترٌ ورحمةٌ وشراكة، لا سباق مظاهر.
أن تُضبط المغالاة اجتماعيًا قبل أن تُضبط قانونيًا،
وأن يُدرك الجميع أن كرامة الإنسان لا تبدأ من قاعة، ولا تنتهي عند ورقة سداد.
فحين يصبح التيسير ثقافة… لن نحتاج إلى حلول استثنائية، وحين تختفي الفجوة بين ما نؤمن به وما نعيشه… ساعتها فقط، سيبدأ الزواج كحياة حقيقيه تبني أجيال بلا أمراض غير قابله للعلاج.
بقلم محمود حمدي
