الشرق الأوسط بين سندان اللاهوت ومطرقة الخذلان العالمي
حين يتحد عناد ترامب مع نبوءات نتنياهو على أنقاض العرب."

لم يكن فجر الثامن والعشرين من فبراير 2026 مجرد انطلاق لعملية “ملحمة الغضب”، بل كان اللحظة التي سقطت فيها الأقنعة عن وجه “الشرق الأوسط الجديد”.
في سماء طهران وبيروت وغزة، لم تكن الصواريخ الأمريكية والإسرائيلية تبحث عن منصات عسكرية فحسب، بل كانت ترسم بلهيبها حدود “إسرائيل الكبرى” فوق ركام عواصم كانت يوماً حواضر للتاريخ، وتحت بصر عواصم أخرى اختارت الصمت رداءً، والارتهان “للحليف” قدراً.
نحن نعيش الآن فصلاً تاريخياً من أخطر فصول المنطقة.. ما يحدث اليوم في منطقة الشرق الأوسط هو إعلان رسمي لميلاد نظام إقليمي جديد يُكتب بدم الشعوب وعناد القوى العظمى.
لاهوت الدم: حين تتعانق المصلحة مع النبوءة
في البيت الأبيض، يجلس دونالد ترامب مدفوعاً بعناد “التاجر” الذي لا يقبل بالخسارة، وكبرياء الزعيم الذي يرى في الحرب “صفقة أخيرة” لإخضاع الجغرافيا، يسنده في ذلك تيار “المسيحية الصهيونية” الذي يرى في دخان المعارك طلائع لـ “خلاص” توراتي، محولاً السياسة الخارجية الأمريكية إلى “صكوك غفران” تُمنح لتل أبيب بلا حساب، وكذلك يرى فيها فرصة تاريخية لالهاء الأمريكيين عن فضيحة اوبستين، وقد تكون فرصته لغلق الطريق نحو تقدم الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي القريبة.
أما نتنياهو، فقد وجد في هذا العناد ضالته؛ فهو لا يحارب لحماية حدود، بل يخوض معركة “استعادة الملك”، مستخدماً “النبوءة” ستاراً لنهب الأرض وهندسة منطقة تكون فيها إسرائيل هي “العقل والذراع”، بينما يتحول جيرانها إلى “كيانات وظيفية” منهكة.
السقوط الأخلاقي: زيف “الحضارة” والنظام الدولي
هنا يتجلى المشهد الأكثر إيلاماً؛ فالعالم الذي صدّع رؤوسنا لعقود بالحديث عن “حقوق الإنسان”، و”سيادة القانون الدولي”، و”القيم الديمقراطية”، هو نفسه الذي يغض الطرف اليوم عن أبشع حروب الإبادة الجماعية التي تمارسها تل أبيب.
ازدواجية المعايير: تحول “النظام الدولي” إلى أداة تحمي القاتل وتلوم الضحية.
القوانين التي سُنّت لحماية المدنيين تبخرت أمام “الفيتو” الأمريكي و”الضوء الأخضر” الممنوح لآلة القتل الإسرائيلية.
النفاق الغربي
واشنطن التي تدعي حماية الديمقراطية، هي من تمنح الغطاء العسكري والسياسي لتدمير دول بأكملها والتدخل في شؤونها الداخلية بصلف غير مسبوق، مما أثبت أن “حقوق الإنسان” ليست إلا ورقة سياسية تُشهر فقط ضد الخصوم.
العجز العربي: الرهان على سراب “الحماية”
في خضم هذا السقوط العالمي، تبرز المأساة العربية؛ حيث استثمرت النخب عقوداً في بناء “تبعية استراتيجية” لواشنطن، لتكتشف في لحظة الحقيقة أن “تل أبيب” هي الابن المدلل والوحيد في العقل الأمريكي. يظهر العرب اليوم في حالة من “السلبية الاستراتيجية”، ينتظرون الحماية من “الذئب” الذي ينهش في جسدهم، دون أن يدركوا أن واشنطن مستعدة للتضحية باستقرارهم جميعاً من أجل “تفوق إسرائيل النوعي”.
رقعة الشطرنج العالمية والمنعطف القادم
بينما تنزف المنطقة، تكتفي موسكو وبكين ببيانات القلق المحسوبة، بانتظار استنزاف القوة الأمريكية، بينما يرتجف الحليف الأوروبي خوفاً من فاتورة الطاقة وموجات اللجوء، لكنه يظل عاجزاً عن الخروج من عباءة التبعية لترامب.
حرب “الثقوب السوداء” والتعتيم الإعلامي
من أخطر ما نشهده اليوم هو محاولة واشنطن وتل أبيب فرض “تعتيم إعلامي” مطبق على خسائرهما الحقيقية.
يتم توظيف الذكاء الاصطناعي لفلترة المحتوى ومنع وصول صور الخسائر البشرية والمادية في صفوف قواتهم إلى الرأي العام العالمي.
الهدف هو الحفاظ على صورة “البطل الذي لا يُقهر” ومنع انهيار الجبهة الداخلية، بينما الواقع الميداني يؤكد أن تكلفة العناد الأمريكي والطموح الإسرائيلي باهظة جداً وتتجاوز كل التوقعات. إنهم يمارسون “ديمقراطية التضليل” لإطالة أمد الحرب.
الدرس المرّ
إن حرب كشفت أن “من يتغطى بالأمريكي عريان”، وأن العالم الحر الذي يتشدق بالقيم هو شريك صامت في الجريمة. المخطط الديني المصلحي لترامب ونتنياهو يمضي قدماً، مستفيداً من موت الضمير العالمي، وغياب “مشروع عربي” سيادي يمتلك الجرأة لقول “لا” قبل أن يُطمس ما تبقى من معالم العروبة تحت أقدام مشروع “إسرائيل.
شريف حمادة
كاتب وصحفي مصري


