مدونات عرب بوست

قضاة بلا قانون!!

في لحظة واحدة… يُرفع هاتف، يُلتقط مقطع، تُكتب جملة، ويُصاغ اتهام جاهز للنشر.
وخلال ساعات… يتحول إنسان عادي إلى “مُدان” في نظر الآلاف.
المشكلة ليست في التكنولوجيا… بل فينا نحن.
لقد أصبحنا شعوبًا لا تعرف الاعتدال؛ إما تقديس أعمى… أو إعدام فوري.

لا مساحة للتريث، ولا احترام لفكرة أن الحقيقة تحتاج إلى تحقيق.
ما يحدث اليوم هو شكل جديد من المحاكم: محاكم السوشيال ميديا.
قضاتها: الجمهور.
وأدلتها: مقطع مبتور أو عبارة خارج سياق.
وأحكامها: تشويه سمعة نهائي… بلا استئناف.
الأخطر من ذلك أن الاتهام ذاته أصبح عقوبة.
فمجرد اقتران اسمك بكلمات مثل “تحرش” أو “جريمة”… كفيل بإنهاء كل شيء.
حتى وإن ظهرت براءتك لاحقًا، يبقى الاتهام في الذاكرة… ويُنسى التصحيح.

لقد أصبحنا مجتمعًا تُقدَّم فيه السمعة على الحقيقة.
وفي حين تمتلك دول أخرى تكنولوجيا تفوقنا بمراحل، إلا أنها سنت قوانين صارمة تمنع التشهير أو النشر قبل صدور حكم قضائي.
ليس حمايةً للمذنب، بل صونًا للبريء من لحظة ظلم قد تدمّر حياته بأكملها.
بل إن التعويضات في بعض الأنظمة تكون قاسية إلى حد يجعل أي شخص يفكر ألف مرة قبل أن ينشر صورة أو يوجه اتهامًا.
لأن الضرر هناك محسوب، ومشاعر الناس ليست ساحة للعبث.
أما عندنا… فقد أصبح التصوير بطولة، والنشر فضيحة، والاتهام طريقًا إلى الشهرة.

شخص يُصوّر، وآخر يُعلّق، وآلاف يُشاركون… دون أن يسأل أحد: هل هذا حقيقي؟ هل هناك تحقيق؟ هل صدر حكم؟
والنتيجة؟ شباب تُحطم مستقبلاتهم، وفتيات تُدمَّر حياتهن، وعائلات تدفع ثمن لحظة تهور من شخص قرر أن يلعب دور القاضي.

إن المجتمع الذي يبتعد عن الاعتدال… يتحول بسهولة إلى جلاد، ويصبح الظلم فيه أمرًا يسيرًا.
ليس كل ما يُنشر حقيقة.
ولا كل ما يُقال دليلًا.
ولا كل من اتُّهم… مذنبًا.
فالعدل ليس في الفضح، بل في التحقق.
والحرية ليست في النشر، بل في تحمّل مسؤولية ما يُنشر.
في النهاية… ليست كل معركة جديرة بأن تخوضها.
وليست كل قصة تستحق أن تُصدر فيها حكمًا.
فقد تكون، دون أن تدري، شريكًا في ظلمٍ تظن أنك تحاربُه.

اقتراح لكل من يفكر في التصوير: قبل أن ترفع هاتفك، اسأل نفسك: هل أحمي حقًا… أم أبحث عن رواج؟ هل ما أصوّره كامل… أم جزء قد يظلم غيري؟ هل أستطيع أن أكون شاهدًا أمام القانون… أم مجرد ناشر على منصة؟.
إن التصوير ليس جريمة، لكن استخدامه بلا وعي… قد يكون أشد خطرًا من الفعل الذي يوثّقه.
إذا وُجد خطر حقيقي… فوثّق وبلّغ الجهات المختصة.
أما النشر… فليكن بعد ظهور الحقيقة، لا قبلها.
فالفرق بين “التوثيق” و”التشهير”… قرارٌ بيدك.
بقلم: محمود حمدي

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى