الجريمة التي لا تهزمها السجون..!!

هناك جرائم تنتهي عندما يُغلق باب الزنزانة… وهناك جرائم تبدأ بعد أن يُغلق.
السجن يستطيع أن يعاقب مجرمًا… لكنه لا يستطيع أن يحاكم فكرة. وأخطر الأفكار ليست تلك التي تكسر القانون، بل تلك التي تُقنع صاحبها أن كرامة إنسان آخر يمكن أن تكون وسيلة لإشباع نزوة، أو لإثبات قوة، أو لانتهاك حق لا يملكه.
ومن الجرائم التي لا تُدين الجاني وحده، بل تكشف عجز المجتمع عن حماية حدوده الأخلاقية… التحرش.
إذا جاء يوم أصبحت فيه جريمة التحرش قادرة على أن تملأ الزنازين، فلا تتهم السجون بالعجز. فالسجون لم تُبنَ لتُصلح ما أفسده المجتمع، ولم تُخلق لتكون بديلًا عن الضمير. فالقانون خُلق ليعاقب الجريمة… لا ليمنع ولادتها.
المشكلة ليست في متحرش ارتكب جريمة…
المشكلة في كل فكرة تُزرع اليوم، وقد تتحول غدًا إلى جريمة. في كل ثقافة تبرر، وكل صمت يحمي، وكل استهانة تجعل بعض الناس يظنون أن الاعتداء مجرد “تصرف عابر”. فالجريمة لا تبدأ عندما تمتد اليد… بل عندما يسقط الحاجز الأخلاقي الذي كان يمنعها.
ولأن الأفكار لا تولد في الفراغ، بل تتشكل بما يراه الناس كل يوم، فإن تحويل الإثارة إلى سلعة تُباع من أجل المشاهدات لم يعد مجرد وسيلة لجذب الجمهور، بل أصبح أحد العوامل التي تُعيد تشكيل الحس الأخلاقي عند كثيرين.
ومع تكرار هذا المشهد، يصبح الاعتياد أخطر من المشهد نفسه، وتتآكل حساسية الرفض، وتضعف الحدود الفاصلة بين المقبول والمرفوض عند بعض النفوس. وعندما يعتاد المجتمع سقوط الحواجز الأخلاقية، يصبح بناء الضمير أصعب من بناء السجون.
كل متحرش يدخل السجن هو انتصار للعدالة، لكنه أيضًا شهادة على أن المجتمع خسر معركة الوقاية قبل أن يبدأ القانون معركة العقاب. فالقاضي لا يحاكم إلا ما حدث، أما الجريمة التي منعتها التربية والضمير والاحترام، فلن تظهر في سجلات المحاكم، رغم أنها أعظم انتصار يمكن أن يحققه أي مجتمع.
كل زنزانة تُغلق على متحرش تكتب فصلًا جديدًا في قصة فشل بدأت خارج أسوار السجن بسنوات؛ بدأت عندما تحول الصمت إلى حياد، والتبرير إلى ثقافة، والسخرية من الضحية إلى عادة، حتى أصبح بعض الناس يغضبون من الحديث عن التحرش أكثر مما يغضبون من التحرش نفسه.
قد تنتصر الدولة عندما تُغلق باب الزنزانة على متحرش…
لكن المجتمع لن ينتصر إلا عندما يصبح المتحرش هو الاستثناء، لا الخبر اليومي.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل حكم، وكل حملة، وكل قانون، ليس: كم متحرشًا دخل السجن هذا العام؟
بل سؤالان أصعب:
كم فكرةً تُزرع اليوم، وقد تتحول غدًا إلى جريمة؟
وكم مرة بررنا، أو صمتنا، أو استهنّا، ثم طالبنا القانون وحده بأن يُصلح ما أفسدناه؟
فكل مجتمع يسمح بإعادة إنتاج أسباب الجريمة، لا ينبغي أن يندهش حين تتكرر الجريمة نفسها.
لأن الجريمة التي لا تهزمها السجون ليست تلك التي يعجز القانون عن معاقبتها، بل تلك التي ينجح المجتمع في إعادة إنتاج أسبابها، مرة بعد أخرى.
فالمجتمع الذي يحتفل كل يوم بالقبض على متحرش، دون أن يسأل لماذا يخرج غيره في اليوم التالي، لا ينتصر على الجريمة… بل يتعلّم أن يتعايش معها.
بقلم محمود حمدي


