جفاف القيم في أرض النفاق!!

لو عاد دكان «أرض النفاق» وفتح أبوابه اليوم، فربما يعلن إفلاسه قبل أن يبيع أول حبة.
ليس لأن النفاق اختفى، بل لأننا — على ما يبدو — أتقنّا تصنيعه محليًا، وحققنا فيه اكتفاءً ذاتيًا لا نحلم به في أشياء كثيرة!
لم تعد حبة النفاق مطلوبة؛ فلدينا من يهاجم الواسطة حتى يحتاج إليها، ومن يتحدث عن تكافؤ الفرص بينما يبحث عمّن يفتح له الباب الخلفي.
أما الرشوة فقد تهذبت لغتها، وخرجت باسم أكثر أناقة: «تسهيل الأمور»، والمجاملة ارتدت بدلة الكفاءة، والاستهبال أصبح «حُسن تصرف»!
ثم نريد مؤسسات قوية!
نغلق الباب في وجه الكفاءة، ثم نستغرب لماذا لم تدخل.
نسقي الواسطة، ونسمّد المجاملة، ثم نترك الكفاءة والأمانة تموتان عطشًا.
وبعدها نقف أمام الحصاد غاضبين لأن الثمار لم تأتِ على مقاس أحلامنا.
نريد القانون سيفًا فوق رقاب الآخرين، وريشةً عندما يصل إلينا.
نريد مسؤولًا لا يجامل… حتى نحتاج منه مجاملة، ونظامًا لا يعرف الواسطة… حتى يأتي دور أبنائنا ومصالحنا.
ثم نغضب من التراجع والفشل، ونفتش عن المتهم في كل مكان… إلا في المرآة.
نقف بمنتهى البراءة أمام ما زرعناه ونسأل: لماذا لا نتقدم؟!
بينما السؤال الذي نهرب منه هو: ماذا زرعنا أصلًا حتى نطالب بهذا الحصاد؟
لا يمكنك أن تزرع واسطة وتحصد كفاءة، ولا رشوة وتحصد عدالة، ولا نفاقًا وتحصد حقيقة، ولا استهبالًا وتحصد مؤسسات قوية.
فالأرض لا تخون بذرتها؛ نحن نختار ما نزرع، ثم نطالبها بثمار شيء آخر.
نزوّر المدخلات بأيدينا، ثم نوقّع اعتراضًا رسميًا على المخرجات.
نريد تعليمًا يبني عقولًا، فنكافئ الورقة ونهمل ما فيها.
نريد إدارة تحاسب على النتيجة، فنكافئ من يُحسن كتابة التقرير عنها.
ونصرخ ضد الفساد حين يقف في طريقنا، ثم نبحث عنه حين يفتح لنا طريقًا مختصرًا.
وخذ ذلك المدير الذي لا يسأل: هل حُلّت المشكلة؟ بل: هل يوجد ما يثبت أنني حذّرت؟
لا تشغله سلامة القرار بقدر ما تشغله سلامة توقيعه.
فتتحول الإدارة من صناعة القرار إلى صناعة ملف دفاع؛ الأوراق مكتملة، والتوقيعات في أماكنها، وكل واحد أمّن نفسه تمامًا… وحدها المصلحة العامة بقيت بلا تأمين.
والغريب أن الجميع يشكو من الفساد، بينما لا يكاد أحد يعترف بنصيبه الصغير فيه؛ واسطة مرّرها، أو مجاملة قبلها، أو حقيقة عرفها فاختار الصمت.
ثم نتعامل معه كأنه نبت وحده في أرض لم يزرعه فيها أحد.
وحين تسبقنا أمم أخرى، ربما لا يكون السؤال: كيف فعلوها؟
بل: كيف جعلوا الواسطة مكلفة، بينما جعلناها نحن طريقًا أرخص من الكفاءة؟
فحين تصبح الواسطة أسرع من الكفاءة ، يقف الأكفأ في الطابور… ويمر الأقل كفاءة من الباب الخلفي.
وهنا سخرية الحصاد كاملة: نزرع بأيدينا… ثم نطالب الأرض بأن تكذب علينا.
وفي المساء، عاد صاحب دكان «أرض النفاق»، ونظر إلى رفوفه الممتلئة، فأدرك أن بضاعته لم تعد تنافس بضاعة السوق المجانية.
أطفأ الأنوار وكتب على الباب: «مغلق… البضاعة متوافرة في كل مكان، ومجانًا.»
ثم توقف، ومسح العبارة، وأعاد فتح الباب.
فقد تذكّر أن هناك حبة واحدة لم يبعها أحد بعد، لأن لا أحد يعترف أنه يحتاج إليها: ترياق لحبة خداع الذات.
تلك الحبة التي تجعل الفعل الواحد فسادًا حين يرتكبه غيرنا، وضرورة حين نرتكبه نحن؛ جريمة حين يغلق بابًا في وجوهنا، ونعمة حين يفتحه لنا.
إنها أخطر حبوب «أرض النفاق»؛ لأنها تمنحنا يقينًا هادئًا بأننا لم نخطئ أصلًا.
وفي أرض أصاب قيمها الجفاف، ربما لا تكون الكارثة أن يموت الصدق والعدل والكفاءة… بل أن تبقى أسماؤها معلقة على الجدران، بينما تُروى تحتها الواسطة والمصلحة والنفاق كل يوم.
ثم ننظر إلى موقعنا بين الأمم، ونهز رؤوسنا في دهشة، ونسأل:
مين اللي عمل فينا كده؟
بقلم محمود حمدى




