جرائم لا يحاسب عليها القانون!!

ليست كل الجرائم تحتاج إلى سلاح. بعضها يحتاج فقط إلى إنسان قرر — في لحظة ما — أن الآخرين ليسوا بشرًا كاملين. أن انكساراتهم لا تستحق أن تؤخذ في الحسبان، وأوقاتهم هدر، وكرامتهم عبء. وهذا القرار الصامت، الذي لا يُكتب في أي وثيقة ولا يُسجَّل في أي ملف، هو أخطر قرار يتخذه إنسان في حق إنسان آخر.
نحن نعيش في عالم يحسب الجرائم بالجثث. إذا سقط جسد فهناك جريمة، وإذا سال دم فهناك ملف، وإذا كُسر عظم فهناك تقرير. لكن ماذا لو كانت الجريمة تعمل بطريقة مختلفة؟ ماذا لو كانت لا تكسر العظام بل تكسر شيئًا أعمق منها؟ شيئًا لا يظهر في صورة الأشعة، ولا يُقاس في تحليل الدم، لكنه يتآكل ببطء حتى لا يبقى منه شيء؟
الإنسان المقهور لا يموت دفعة واحدة. يموت بالتقسيط. جرعة إهانة هنا، وجرعة إهمال هناك، وانتظار طويل في طابور لا يراك، ومسؤول ينظر إليك نظرة توحي أنك عبء وليس إنسانًا جاء يطلب حقه. ثم تتراكم الجرعات، وتتراكم السنوات، وفي مكان ما داخل الجسد يبدأ شيء في الاستسلام.
الطب يسمي هذا: ضغطًا، وسكرًا، وجلطة، وذبحة، وقولونًا عصبيًا، واكتئابًا مزمنًا. لكن الطب لا يملك خانة في نموذجه تُسمى “سنوات من القهر المتراكم”، ولا خانة تُسمى “بيئة تعاملك كرقم”، ولا خانة تُسمى: “سنوات استهلكت قدرتك على الاحتمال.”
يكتب النتيجة ويترك الأسباب بلا اسم. فلا أحد يستطيع أن يكتب في التقرير سنوات القهر، أو الإهانات الصغيرة، أو الضغوط التي تراكمت حتى أصبحت مرضًا.
وهنا السؤال الفلسفي الذي لا يريد أحد أن يواجهه:
إذا كنت تعرف أن أفعالك تدمر صحة إنسان آخر، فهل أنت قاتل؟
ليس بالمعنى القانوني، بل بالمعنى الأخلاقي. بالمعنى الإنساني الذي يسبق القانون ويتجاوزه.
المجتمعات التي تعيش في حالة قهر مزمن تطور شيئًا خطيرًا. تبدأ تعتقد أن الانتظار طبيعي، وأن الإهانة طبيعية، وأن استنزاف الأعصاب جزء من الحياة. وحين يصبح الظلم طبيعيًا، يصبح غير مرئي. وحين يصبح غير مرئي، يصبح غير قابل للمحاسبة.
هذه هي الجريمة الأكبر. ليست ما يُفعل بك، بل أنك تتعلم أن تعتبره عاديًا.
العنف الذي لا يحتاج إلى قبضة ليؤلم، لأنه يعمل بأداة أخطر. يجعلك تقبل ألمك وكأنه مصيرك. وحين تقبل مصيرك، تتوقف عن المطالبة بما هو أفضل. وحين تتوقف عن المطالبة، يستريح الجلاد.
القانون يحاسب من يطلق الرصاص، لكنه لا يعرف كيف يحاسب من يطلق القهر يوميًا. لأن الرصاص يترك أثرًا، أما القهر فلا يترك إلا إنسانًا أكلت الأيام من روحه أكثر مما أكلت من عمره.
فبعض الخسائر لا تسلبك ما تملك، بل تسلبك ما كان يمكن أن تصبحه.
ولهذا ليست كل الجنازات تبدأ بمقبرة. بعضها يبدأ بطابور طويل، أو بورقة مؤجلة، أو بنظرة تقول لك دون كلام: أنت لست مهمًا بما يكفي. ثم يمشي الإنسان حاملًا تلك النظرة سنوات، دون أن يعرف أنها تثقل قلبه حرفيًا.
شهادة الوفاة ستكتب: أزمة قلبية.
لكن القصة الحقيقية بدأت قبل ذلك بسنوات.
في لحظة صغيرة لم يسجلها أحد، حين قرر إنسان ما أن إنسانًا آخر لا يستحق أن يُعامل بكرامة.
تلك اللحظة هي الجريمة.
وتلك اللحظة لن تجد لها مادة في أي قانون، رغم أن آثارها قد تعيش في إنسان سنوات.
فبعض المبادئ يفترض أن تسبق القوانين، وبعض الرحمة يفترض أن تسكن الإنسان قبل أن تفرضها عليه المحاكم.
وإذا احتجنا إلى قانون ليذكرنا بأن تحطيم الإنسان جريمة، فالمشكلة لم تعد في القانون، بل فينا.
بقلم محمود حمدي



