مدونات عرب بوست

قبة عصفور بجبانة المماليك: تحفة معمارية, غموض تاريخي , ولغز أثري (1)

توطئة: يلفت نظرنا عند المرور بشارع السلطان أحمد بجبانة المماليك (صحراء المماليك بحي منشأة ناصر) بالقرب من مجموعة الناصر فرج بن برقوق غربيها تحفة معمارية عبارة عن قبة ضريحية أثرية حجرية تأخذ بالألباب وتسبي العيون وتأسر القلوب تُدعى قبة عصفور (أثر رقم 132والقبة أثرياً ومعمارياً هي تربة أو ضريح يتكون في تخطيطه القياسي من مربع أرضي كتخطيط ومغيب أسفله في تخوم الأرض القبر أو المدفن ثم مكعب جداري سفلي يليه منطقة انتقال للتحويل من الشكل المربع للمستدير ثم القبة ذاتها المكورة والتي تسمى الخوذة).

وأهم ما يستوقف نظر المار على قبة عصفور هو أنها قبة صغيرة (من أصغر قباب العمارة الإسلامية في مصر) رشيقة لطيفة النسب وملحق بها سبيل ذي شباكين (مسدودين حالياً) في الجدار الجنوبي الغربي من المكعب السفلي وهو أصغر سبيل في العمارة الإسلامية بمصر والاندماج المعماري بين وحدتين (قبة وسبيل) يُعد أمراً إستثنائياً فريداً في العمارة الإسلامية.

كما أن زخارف خوذتها من نمط متفرد بين قباب العصر المملوكي الجركسي وفي رأيي أنها من أروع قباب العمارة الإسلامية ليس فقط في مصر بل في العالم أجمع, لكن رغم رشاقة بنيانها وسلامة إنشائها وبديع عمارتها وتناسق نسبها الهندسية وجدة الإلحاق المعماري المندمج لسبيل وتفرد زخرفة خوذتها إلا أن ذلك الأثر يشكل لغزاً حير العلماء حيث تخلو القبة من أي نص تأسيس ويكتنفها غموض تاريخي من حيث بانيها ومسماها بل وامتد الأمر إلى الخلاف حول نسبتها إلى عصر محدد وإن كان الأمر الأخير هو أهون ما يكتنفها من إشكاليات وفرضيات لأن القرائن بل والشواهد الأثرية تصب في صالح عصر محدد لا خلاف عليه كما سيأتي.

النظرية الشائعة المتداولة بين الباحثين والدارسين:
الحق أن تلك القبة جرت العادة على دراستها باعتبارها قبة من قباب العصر المملوكي الجركسي وأخره بالتحديد وبناءً على شواهد أثرية أمكن إرجاعها بالجملة إلى القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي وباعتبار أن تسمية عصفور هذه إما ترجع لشخصية مجهولة يغلفها صمت مطبق للمصادر التاريخية عن تلك الشخصية, أو كما ذكر البعض أنها ليست لشخص يُدعى عصفور وإنما سُميت بهذا الإسم من قبل مصدر ما الأرجح أنه لجنة حفظ الآثار العربية أو ربما عامة الناس وذلك لصغر الحجم والرشاقة (معصفرة) وكأنها عصفور.

أما الآثاري البحاثة الأستاذ المرحوم حسن عبد الوهاب، قد انفرد في بحثه المعنون “خانقاه فرج بن برقوق وما حولها من الآثار” المقدم في المؤتمر الثالث للآثار في البلاد العربية المنعقد في فاس بالمغرب سنة 1959 بقول إذ ذكر في معرض حديثه عن القبة قائلاً: “قبة الأمير عصفور” لكنه لم يفصح عن شخصية هذا الأمير والعهد الذي عاش فيه كما لم يترجم له والأرجح أنه ظنها تخص أميراً مسمى عصفوراً.

وعلى أية حال فقد أرخها حسن عبد الوهاب تأريخاً منطقياً للغاية لا يزال هو التأريخ المعتمد في كافة الدراسات التي تلته – عدا رأي وحيد سنتاوله في حينه – وهذا التاريخ هو سنة 912هــ/ 1506م, بينما يؤرخها الدكتور عاصم رزق في موسوعته فيما بين 910-913هــ/ 1504-1507م.

نظرية الباحث في الآثار الإسلامية الأستاذ أبو العلا خليل:
غرد منذ فترة الأستاذ أبو العلا خليل خارج السرب حيث يُنسب له نظرية جديدة اعتُبرت إلى حد ما وكأنها قد سدت فراغاً ونقصاً تاريخياً وتوصلت لشخصية عصفور هذا صاحب القبة وقد بدت النظرية جذابة للغاية خاصة مع الصمت الذي أشرنا إليه في المصادر التاريخية عن شخصية عصفور وملخص تلك النظرية التي طرحها أن عصفور هذا هو نفسه عصفور الناسخ وذكر أنه منشئ هذه القبة الضريحية كتربة له وهو الشيخ علاء الدين على بن محمد بن عبد النصير، المعروف بعصفور الناسخ شيخ الكتاب بالديار المصرية على عهد السلطان الناصر فرج بن الظاهر برقوق أنشأها عام 806هـ/ 1404م .


وقد ذكره السخاوى فى «الضوء اللامع» وقال: أنه كان كاتبا مجيدا للكتابة بسائر الأقلام، كما ذكره ابن حجر العسقلانى وقال: الكاتب المجود كاتب المنسوب – وهو من يكتب الخطوط بجميع أنواعها – الملقب بعصفور موقَّع الدست, ويستكمل ابن تغرى بردى فى «المنهل الصافى» أنه فى شهر جمادى الآخرة عام 808هـ ، عاد الملك الناصر فرج بن برقوق الى سلطنته ثانيا بعد خلع أخيه المنصور عبدالعزيز، وكتب علاءالدين عصفور هذا عهده بالسلطنة ثم توفى بعد ذلك بيسير فى يوم الأثنين ثانى عشر رجب سنة 808هـ.

وفي ضوء كل ما سبق أرجع تأريخ القبة بسنة 806هــ/ 1404م في عهد السلطان الناصر فرج بن برقوق في بدايات العصر المملوكي الجركسي.

مراجعة النظرية:
بالبحث عن تلك الشخصية المقترحة تاريخياً كمنشيء لقبة عصفور وجدنا أنه شخصية حقيقية وتأكدنا من ذلك في المصادر التاريخية واتضح لنا بتتبع تلك النظرية أن المصدر الذي اعتمد عليه الأستاذ أبو العلا خليل هو كتاب مسمى “المزارات الإسلامية” لكاتب يُدعى “حسن قاسم” وحينما رجعنا إلى جزئه الرابع ص 365 وجدناه يقول عن قبة عصفور:” أنشأها الأمير علاء الدين علي بن عبد النصير السخاوي ثم الدمشقي المعروف بابن عصفور الخطاط موقّع الدست في عهد الملك الناصر فرج بن برقوق سنة 806هـ/ 1404م ومات في 12من رجب سنة 808هـ/ 1406م ودفن بها” والأدهي أنه ذكر أنه يكتنفها أربع حلقات (يقصد خراطيش أو رنوك كتابية) تحمل اسم الملك الناصر فرج والدعاء له بالعز والنصر وهذا غلط واضح.

نظرية أبو العلا خليل بين الطرح التاريخي والشواهد الأثرية:
هذا الطرح التاريخي الذي بدا جذاباً جداً تاريخياً خاصة أنه أرجعها لشخصية من العصر المملوكي الجركسي وهو العصر الذي ترجع إليه القبة بالفعل يُعد من الخطورة بمكان ذلك أنه إذا ما أردنا اختبار وتقييم النظرية في ضوء الشواهد الأثرية ووضعها على ميزانها الرصين نجد أنها لا تستطيع أن تصمد في وجه تلك الشواهد النافية لها وبالتالي فإن ذلك يوضح خطورة اعتناق الآثاريين لها لأننا بالتالي سنقبل ذلك الرأي لأنه الخيار الأيسر دونما أن نكلف أنفسنا مشقة وعناء البحث والتحري العلمي في الجانب الآثاري مع أدلته الدامغة وهنا لا بد للآثاري أن يتمتع بعقلية تحليلة ناقدة ولا يقبل السرديات التاريخية والأدبية والآراء والطروحات كمسلّمات لا تقبل الشك حتى لو كان الجانب التاريخي يؤيدها ظاهرياً ولا ينسى أن الآثار (عمارة, مسكوكات, مخطوطات, برديات, تحف, نقوش وكتابات) هي التي تنفي أو تؤكد السرديات التاريخية وليس العكس وهي أهم المصادر التي يعتمد عليها المؤرخ أصلاً, إذن ينبغي ألا يستسلم الآثاري أبداً للفراغ والصمت بل يبحث وينقب ويتحرى ويمحص وينقح ويزن الأمور بميزان نقدي من ذهب وقد التزمنا بذلك المنهج حيث توصلنا من خلال تحليلاتنا الآثارية إلى نتيجة حتمية مفادها أن قبة عصفور لا ترجع بأي حال من الأحوال لعهد الناصر فرج بن برقوق ولا بدايات العصر المملوكي الجركسي على الإطلاق وهو ما سوف نتناوله في المقال القادم.
(يتبع)
بقلم د. محمد شبانة
عالم آثار مصرى

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى