مدونات عرب بوست

قبة عصفور بجبانة المماليك: تحفة معمارية, غموض تاريخي , ولغز أثري (2)

أسباب استبعاد تأريخ القبة بعهد الناصر فرج وبداية العصر المملوكي الجركسي:
1-تطور زخرفة خوذة القبة: وهي من أهم النقاط البحثية والمعروف أن العصر المملوكي البحري ساد فيه نمط “التفصيص” أو القباب المفصصة بينما كان النمط الأكثر شيوعاً في العصر المملوكي الجركسي هو “النمط الدالي” أو زخرفة الدالات أو ما اصطلح على تسميتها الزخرفة الزجزاجية الرامزة إلى الماء.

من ناحية أخرى شهد العصر المملوكي الجركسي ثورة فنية معمارية في زخرفة القباب وهو ما جعل في رأيي مصر تمتلك في قرافة المماليك تحديداً أكبر متحف مفتوح للقباب الرائعة المزينة بزخارف محفورة لا يضاهيها أمثلة في العالم الإسلامي كله, ولا يكاد يقترب منها وبدرجات أقل بكثير سوى جبانة شاه زنده في سمرقند بأوزبكستان, المهم لدينا أن هذا العصر المملوكي الجركسي كان الغالب في زخرفة خوذات القباب في عهد الناصر فرج هو النمط الدالي السائد وهو النمط الذي اتبعته قبتا خانقاه فرج بن برقوق.

أما بقية الأنماط الأخرى المتنوعة فلم تظهر إلا بعد عهد الناصر فرج وكان خاتمة تطورها هو زخرفة قبة عصفور، وبالتالي لا يمكن إرجاع قبة عصفور بأي حال من الأحوال إلا لأواخر العصر المملوكي الجركسي وليس بداياته وإلى القرن العاشر الهجري لا التاسع, ومن تلك الأنماط التي ظهرت – بجانب النمط الدالي أو النظام الدالي- النظام الهندسي الذي ظهر في قبة مجمع السلطان برسباي بجبانة المماليك وقبة الأمير جاني بك بجوار مجمع برسباي السالف الذكر والأخيرة نموذج رائع للأطباق النجمية المحفورة في الحجر, أما الزخرفة النباتية على خوذات القباب فقد بدأت إرهاصاتها في العصر الجركسي في أواخر عهد السلطان برسباي وأوائل عهد السلطان جقمق متمثلة في القبة الضريحية الملحقة بالمدرسة الجوهرية بالأزهر الشريف (قبة جوهر القنقبائي أحد أمراء برسباي) والتي يرجح تأريخها بقبل سنة 844هـ تاريخ وفاة جوهر القنقبائي (أي بعد سنتين من تولي جقمق الحكم), وهي بحسب العلامة برنارد أوكين أقدم مثل لظهور زخرفة الأرابيسك على ظاهر القباب, ومن النماذج ذات النظام النباتي أيضاً قبة مدرسة الأمير جانم البهلوان بالسروجية (883هـ عهد السلطان قايتباي), وقبة الأمير أزرمك السيفي بشارع السلطان أحمد بجبانة المماليك (910هـ عهد السلطان الغوري).

كما وجد لدينا نظام فريد من نوعه يعتمد على المزج بين النظامين النباتي والهندسي وأحسن أمثلته هي قبة مجمع السلطان قايتباي بجبانة المماليك, أما أهم نمط مميز ظهر في أواخر العصر المملوكي الجركسي فهو ما ظهر على ظاهر قبة مجمع قرقماس في عهد السلطان الغوري وهو عبارة عن نمط دالي متطور يظهر فيه اجتماعه بالمعينات والمعينات إحدى أهم خيوط البحث الأثري التي سنحتكم إليها حيث تبدأ خوذة القبة بثلاثة مستويات من المعينات (دون أن تبدأ بالميمات) ثم تنتظم بعدها الزخرفة الدالية التقليدية ويمكن القول أنه جمع غير ممتزج متنافر بين الدالات والمعينات, أما خاتمة تطور النظام الدالي إلى النظام “الدالي الممتزج بالمعينات” فهو في قبة عصفور التي نحن بصددها حيث الدالات امتزجت امتزاجاً متداخلاً مع المعينات (تبدأ بالميمات من أسفل عكس قرقماس)، وهو أكثر تطوراً من قبة مجمع قرقماس.

ومن ناحية أخرى ينبغي أن نعي جيداً أن النظام الدالي التقليدي لم يختف تماماً مع ظهور الأنماط المتنوعة التي ذكرناها بل سار جنباً إلى جنب تلك الأنماط (مثال: النظام الدالي في ظاهر قبة الأمير سودون الأشرفي بقرافة سيدي جلال بالسيدة عائشة مؤرخة 910هـ عهد الغوري)، دون أن ينفي ذلك اتجاه التطور في اتجاه تصاعدي متمثلاً في وجود تطور في نموذج قرقماس وخاتمة التطور في نموذج عصفور, نخلص من ذلك أن قبة عصفور بنيت في تاريخ لاحق لقبة مجمع قرقماس والأخيرة كانت قد بدأت نمطاً تجريبياً في النظام الدالي يعتمد على إقحام عناصر المعينات (وعنصر المعينات ظهر أيضاً كزخرفة في مئذنة نفس المجمع مجمع قرقماس فالمئذنة بها شبكة هندسية من زخرفة المعينات) والجمع بينها وبين الدالات بلا امتزاج ثم وصل هذا النمط التجريبي لابتكار أكثر جرأة في قبة عصفور حيث أخرجت لنا نمطاً متمايزاً تماماً لا هو دالي صرف ولا هو معينات قح بل هو نظام دالي ممتزج بالمعينات امتزاجاً متداخلاً في هيئة شبكة زخرفية هندسية, ولما كان مجمع قرقماس أول ما فرغ منه هو القبة الضريحية في ذي القعدة 911/ إبريل 1506 بينما كان الفراغ من المجموعة برمتها في رجب 913هـ / نوفمبر 1507 م، إذن فإن تاريخ بناء قبة عصفور لا بد أنه بعد سنة 911هـ تاريخ الفراغ من قبة مجمع قرقماس وربما يكون بعد سنة 913هـ تاريخ الفراغ من المجمع ككل ولنضف بضع سنين بعد 911هـ أي يغلب على ظني أن تكون في الفترة من 912هـ حتى 918هـ على أقصى تقدير وهذا يجعل من تأريح حسن عبد الوهاب وعاصم رزق تأريخات قريبة جداً من المنطق والشواهد الأثرية. وسوف نوالي في المقال القادم سرد بقية الأسباب. (يُتبع)
بقلم الدكتور محمد شبانة
عالم آثار بوزارة السياحة والآثار

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى