مدونات عرب بوست

قبة عصفور بجبانة المماليك: تحفة معمارية, غموض تاريخي , ولغز أثري (الحلقة الأخيرة )

سنستعرض الآن في هذا المقال الأخير رأي العالم البريطاني كريزول في تأريخ قبة عصفور المميزة، وتفنيده.
وكان العلامة البريطاني خالد الذكر كريزول، قد رأي أنه رغم وضوح نسبة القبة لأواخر العصر المملوكي الجركسي حيث أرخها بعد سنة 913هـ لتشابهها مع قبة مجمع قرقماس واقترابها أيضاً من المجمع من حيث الموقع، إلا أنه تردد بين نسبتها لأخر العصر المملوكي الجركسي أو بعد الغزو العثماني لمصر بعد سنة 923هــ/1517م.

وكان اعتماد العلامه البريطاني في التأريخ الأخير على جزئيتين، الأولى هي ضعف الصنعة والتنفيذ في مقرنصات منطقة الانتقال (التدهور الفني), والثانية هي وجود جامات مستديرة أشبه بالخراطيش السلطانية أو الرنوك الكتابية التي تتضمن شهادة التوحيد والرسالة المحمدية دونما ذكر لاسم السلطان القائم في الحكم وألقابه.

كما أرجع العلامه البريطاني، خلوها من اسم السلطان القائم في الحكم وألقابه، إلى سمة تميز بها العصر العثماني وقد تنفي نسبة القبة للعصر المملوكي الجركسي, إلا أن ذلك مردود عليه بأن التدهور الفني وضعف تنفيذ المقرنصات ظهر في بعض نماذج أواخر العصر المملوكي الجركسي خاصة لقباب لا تنسب للسلاطين وكبار الأمراء, كما لا ننسى أنه يبدو أن مراحل بناء قبة عصفور مر عليها فترة زمنية اتسمت بالعجلة في الأعمال, كما توقفت أعمال الزخرفة فيها لسبب ما حيث توجد زخارف غير مكتملة, أما الرنوك الكتابية أو الخراطيش التي تتضمن اسم وألقاب السلطان الغوري وغيابها فهو محق في تلك النقطة لأن قباب أمراء الغوري كانت بالفعل تتضمن خراطيش باسم وألقاب الغوري مثل قباب الأمراء أزرمك وطراباي الشريفي وسودون الأشرفي لكنها في الوقت نفسه كانت تشتمل بعضها جنباً إلى جنب الخراطيش السلطانية على جامات مستديرة بها شهادة التوحيد والرسالة المحمدية مثل قبة أزرمك, إذن عدم وجود إسم وألقاب الغوري في الجامات لا ينفي عن القبة كونها بنيت في عهده ولكن قد ينفي عنها كونها تخص أميراً من أمرائه ليس إلا فربما كانت لشيخ من الشيوخ أو ما شابه، لا سيما وأن قبة الرفاعي المؤرخة بالقرن العاشر الهجري جنوب غرب خانقاه فرج بن برقوق يوجد برقبة القبة من الداخل جامات دائرية بها شهادة التوحيد والرسالة المحمدية زيد عليها الولاية الرفاعية ونصها “لا إله إلا الله محمد رسول الله سيدي الرفاعي ولي الله” مما يوحي بأن الرنوك الكتابية أو الخراطيش كانت في قباب الأمراء ورجال الدولة الذين يدينون بالولاء للسلطان وإبراز خرطوشه لا بد أنه كان علامة من علامات الولاء والخضوع وبروتوكول للدولة ورجالاتها, بينما شيوخ الصوفية والشخصيات الأخرى ليس شرطاً كتابة رنك الغوري.

كما يوحي ذلك بأن جامات شهادة التوحيد والرسالة المحدية شاعت جدا في قباب القرن العاشر الهجري في عهد الغوري, ولم تكن وليدة العصر العثماني لكن استمرارها في العصر العثماني كتقليد مصري أصيل من أواخر العصر الممملوكي الجركسي إنما هو استمرارية ثقافية وتواصل تاريخي خاصة إذا أخذنا في الاعتبار استمرار الطراز المصري المملوكي في كثير من آثار الفترة العثمانية.

أما النقطة الأخيرة والحاسمة، هي أن كثيراً من العمائر التي شيُدت في العصر العثماني متبعة الطراز المصري الأصيل المملوكي كان لا بد لبانيها أن يضيف إليها لمسة عثمانية لا تخطئها العين بحيث يعرف الناظر أن هذه بصمة العصر، وأهم تلك اللمسات على الإطلاق هي إضافة تكسيات خزفية من بلاطات القاشاني بالزخارف النباتية العثمانية باللونين الأزرق والأبيض، وهي علامة هامة فارقة في نسبة الأثر المشيد على الطراز المصري للعصر العثماني لا المملوكي الجركسي وليس أدل على ذلك من قبة الأمير سليمان القريبة جداً من قبة عصفور وهي تتبع الطراز المصري المملوكي تماماً لا الطراز التركي العثماني الوافد وهي مؤرخة بسنة 951هـ/ 1544م، حيث نجد بها بقايا تكسيات خزفية من القاشاني باللونين الأزرق والأبيض في الإزار الكتابي الذي يعلو شبابيك رقبة القبة, وأيضا تكسيات قاشاني في بعض عقود النفيس خاصة العقد الذي يعلو عتب باب الدخول, وهي العلامات التي تؤكد نسبتها للعصر العثماني, أما وقد خلت قبة عصفور من تلك العلامات الفارقة فليس هناك مبرر لرأي كريزول حيث لا يوجد أدنى شك في كونها مصرية أصيلة في أخر العصر الجركسي وليست بحال قبة مبنية على الطراز المصري في العصر العثماني.

الدرس المستفاد للباحث العلمي:
قوة السرد التاريخي، ولو اقترب من اليقين، لا تعلو على الشواهد الأثرية متى خضعت للفحص العقلي والتحليل المنهجي؛ فشهرة الرواية وقوة تداولها لا تكفيان لإثباتها إذا عارضها منطق الأثر والشاهد المادي, والخلاصة قد تظل الرواية يقينًا فترة من الزمن، ثم تموت حين يتكلم الأثر أو يُستنطق.

بقلم الدكتور محمد شبانة
عالم الآثار بوزارة السياحة والآثار

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى