خلف الأبواب المغلقة… الثقة لا تكفي!!

هناك أماكن يدخلها الإنسان تاركًا خلفه كل وسائل الدفاع. لا يحمل سلاحًا، ولا شهودًا، ولا يملك وسيلة حقيقية ليرى ما يحدث حوله أو يتحقق منه. يدخل ضعيفًا، خائفًا، ومضطرًا لأن يضع حياته بين أيدي الآخرين. في تلك اللحظة لا يملك شيئًا تقريبًا إلا الثقة.
لكن الثقة ليست نظام رقابة.
في كل يوم يدخل آلاف المرضى إلى المستشفيات ويسلمونها شيئًا أثمن من المال. لا يسلمونها محافظهم أو ممتلكاتهم، بل أجسادهم نفسها. ثم يُغلق الباب خلف كل واحد منهم.
نحن نعيش في عالم تُراجع فيه الحسابات المالية بدقة، وتُراقب فيه الأموال بالكاميرات، وتخضع فيه المؤسسات للتدقيق المستمر. لكن المدهش أن بعض الناس يقبلون مراجعة الأموال بلا اعتراض، ثم ينزعجون عندما يُطرح السؤال نفسه في الأماكن التي تُدار فيها حياة البشر.
فلو أن موظف بنك رفض مراجعة حساباته بحجة أن ذلك إهانة له، لما بقي في منصبه يومًا واحدًا. ولو أن شركة رفضت التدقيق على أعمالها بحجة أن الناس يجب أن يثقوا بها، لتحولت إلى فضيحة.
لكن الأخطر أن بعض المؤسسات ما زالت تتعامل مع الثقة وكأنها بديل عن المراجعة.
كل سلطة لا تُراجع تفقد مع الوقت قدرتها على رؤية أخطائها.
فالخطر الحقيقي في الغرف المغلقة ليس ما نراه، بل ما لا يمكن لأحد أن يراه. ما قد يحدث ثم يخرج بلا شاهد، ولا دليل، ولا رواية أخرى.
السؤال ليس: هل توجد جريمة؟
السؤال: إذا وقعت، فهل توجد وسيلة لإثباتها؟
فالمؤسسات الجادة لا تنتظر الضحية التالية حتى تتحرك، ولا تنتظر الفضيحة حتى تراجع نفسها. لأنها تعرف أن العدالة الحقيقية لا تبدأ بعد الكارثة، بل قبلها.
ولأن الخطأ داخل المستشفى لا يضيع مالًا فقط، فقد يضيع عمرًا كاملًا. فالمال يمكن تعويضه، أما الصحة إذا ضاعت، أو الكرامة إذا انتُهكت، أو الثقة إذا تحطمت، فهناك أشياء لا تعيدها أي تعويضات.
لأن الإنسان عندما يدخل المستشفى لا يسلمهم ماله، بل يسلمهم الجزء الوحيد الذي لا يملك نسخة احتياطية منه.
يسلمهم جسده.
ولهذا فالمشكلة ليست في الثقة.
المشكلة عندما تصبح الثقة هي الدليل الوحيد، والشاهد الوحيد، ووسيلة التحقق الوحيدة.
فالمؤسسات الجادة لا تخاف من المراجعة، ولا تنزعج من الشفافية، ولا تعتبر التحقق إهانة. لأن ما يحمي الأبرياء ليس حسن النوايا وحده، بل وجود ما يكشف الحقيقة عندما تختلف الروايات.
فحين تغيب الشهادة ويغيب الدليل، لا يبقى أمام الناس إلا الثقة.
وأخطر المؤسسات ليست تلك التي تخطئ، فكل البشر يخطئون.
بل تلك التي تجعل التحقق من الخطأ مستحيلًا، ثم تطلب من الناس ثقة مطلقة فيما يجري خلف أبواب لا يستطيع أحد أن يرى ما يحدث وراءها.
وإذا كانت كل هذه الثقة مبررة، فلماذا يُرفض وجود وسيلة مستقلة تكشف الحقيقة عندما تختلف الروايات؟
بقلم محمود حمدي


