أخرجنا الجن… واتحبسنا مكانه!!

في الحكايات القديمة، كان القمقم مصدرنا للحلّ السريع: مارد يظهر، أمنية تتحقق، وينتهي كل شيء بلا تعب. المشكلة أن هذه الفكرة لم تبقَ داخل القصص، بل تسللت إلى طريقة تفكيرنا في الواقع، حتى أصبح كثيرون ينتظرون “القفزة” بدل البناء، والحظ بدل التراكم.
تأثرنا بالروايات والخرافات أكثر مما نظن. أحببنا فكرة النتيجة السريعة، وتجاهلنا التفاصيل المملة: العمل، التخطيط، والصبر الطويل. ومع الوقت، تحول هذا الخيال إلى عقلية اقتصادية واجتماعية كاملة؛ ننتظر الفرصة الكبيرة بدل التحسينات الصغيرة، ونبحث عن الطريق المختصر بدل اكتساب المهارة خطوة بخطوة.
اقتصاديًا، هذه الذهنية مكلفة جدًا.
فالثروة لا تُصنع بالأمنيات، بل بالإنتاج والتطوير وإعادة الاستثمار. لكننا أحيانًا نتعامل مع الموارد وكأنها “مارد جاهز”، يكفي أن نمتلكه حتى تتحقق النهضة تلقائيًا، بينما الحقيقة أن الموارد بلا منظومة إنتاج لا تصنع اقتصادًا قويًا.
الأمر نفسه يظهر في حياتنا اليومية: انتظار الوظيفة المثالية، أو مشروع ينجح دفعة واحدة، أو تغيير شامل يحدث فجأة… مع بقاء الشكوى جاهزة دائمًا. وكأننا تربينا على أن الاجتهاد “موضة قديمة”، وأن النجاح الحقيقي لا يأتي عبر التراكم، بل عبر ضربة حظ أو باب خلفي.
وهنا تتحول الخرافة من حكاية إلى طريقة تفكير.
لم تعد مجرد حديث عن الجن، بل عقلية تُعفي الإنسان من مسؤوليته، وتدفعه للبحث عن مبررات مريحة بدل مواجهة الواقع.
لكن الاقتصاد الحقيقي لا يعرف المارد، ولا يعترف بالقمقم.
هو نظام بسيط وقاسٍ في الوقت نفسه: يعطي بقدر ما يُبنى، لا بقدر ما يُتمنى.
وربما المشكلة الأعمق أننا انتقلنا بهدوء من ثقافة “الصانع” إلى ثقافة “المنتظر”.
من عقل يسأل: “كيف نبني؟” إلى عقل ينتظر أن يحدث له شيء يغيّر حياته.
لذلك، آن الأوان لإعادة الجن إلى الزجاجة، وإغلاق باب الأوهام التي عطّلت العقول وأرهقت الواقع.
آن الأوان للعودة إلى تفعيل مراكز الاجتهاد والطموح، وإعادة الاعتبار للعمل الطويل، والتراكم البطيء، والإيمان بأن البناء الحقيقي لا يحدث بالمعجزات، بل بأناس قرروا أن يصنعوا مستقبلهم بدل انتظاره.
والسؤال الذي يصنع الفرق ليس:
“ماذا سيحدث لنا؟”
بل: “ماذا سنصنع نحن… وبأي طريقة؟”
بقلم محمود حمدي



