تفكيك الأسرة… مشروع يُدار بهدوء!!

لم يعد ما يحدث للأسرة مجرد “أخطاء اجتماعية” عشوائية كما يحب البعض أن يصوره.
المشهد أكبر من ذلك، وأوضح من أن يُخفى خلف شعارات براقة عن الحرية والتطوير والحقوق.
هناك اتجاه كامل يعمل على تحويل الأسرة من رابطة أمان إلى علاقة مؤقتة قابلة للكسر عند أول خلاف.
الفكرة ليست حماية المرأة، ولا إنصاف الرجل، ولا حتى مصلحة الطفل كما يُقال في المؤتمرات والبرامج.
الفكرة الحقيقية هي صناعة إنسان منفصل عن أي سند ثابت.
إنسان بلا بيت متماسك، بلا مرجعية، بلا ثقة في اي علاقة طويلة المدى .
الشخص الذي نشأ داخل بيت متوازن أقل قابلية للابتزاز النفسي، أقل قابلية للاستهلاك المرضي، وأقل انجرافًا وراء خطاب الكراهية والخوف.
أما الإنسان المهزوز عاطفيًا فهو دائم الاحتياج، ودائم القلق، والأسهل في التوجيه.
ولذلك لم يعد تفكيك الأسرة يتم بالقوة، بل بالأفكار.
يتم عبر تحويل الزواج إلى عبء قانوني مرعب، والأبوة إلى مخاطرة، والأمومة إلى معركة صلاحيات، والطلاق إلى سوق انتقام مفتوح.
كل يوم تُزرع فكرة جديدة:
لا تثق.
لا تتنازل.
سجّل كل شيء.
توقع الأسوأ.
العلاقة معركة قبل أن تبدأ.
ثم يتساءلون لماذا اختفى الاطمئنان من البيوت.
الأخطر أن الطفل لم يعد يُنظر إليه كإنسان يحتاج أسرة مستقرة، بل كورقة ضغط داخل هذا الصراع.
جيل كامل يتربى على الشك، يرى الحب قابلًا للتحول إلى محاضر، ويرى الحوار ينتهي دائمًا بمحكمة أو قطيعة.
والغريب أن أي شخص يحاول الدفاع عن فكرة الأسرة يُتهم فورًا بأنه ضد الحرية أو ضد الحقوق.
وكأن المطلوب ليس إصلاح الأسرة… بل إعادة تعريف معني الأسرة حتى تفقد معناها بالكامل.
هناك مصالح ضخمة تعيش على المجتمع المفكك:
منصات تصنع الجدل، مؤثرون يبيعون الغضب، مؤسسات تستثمر في النزاعات، وخطابات إعلامية لا تعيش إلا بوجود معركة مستمرة بين الرجل والمرأة بينهم أطفال مشتتين.
فالأسرة الهادئة لا تصنع “ترند”.
أما الكراهية، فصناعة مربحة جدًا.
لهذا لم تعد الأزمة مجرد قوانين متخبطة فقط ، بل ثقافة كاملة تدفع الناس تدريجيًا إلى فقدان الثقة في فكرة البيت نفسها.
وحين يفقد المجتمع إيمانه بالأسرة، فلن يحتاج أحد إلى هدمه… لأنه سيتفكك بمفرده من الداخل.
وفي النهاية، أخطر المؤامرات ليست تلك التي تُدار في الغرف المغلقة، بل تلك التي تنجح في جعل الضحية تدافع عن هلاكها بنفسها.
فعندما يصبح تفكك الأسرة “تطورًا”،
وانعدام الأمان “استقلالية”،
وتحويل البيت إلى ساحة صراع “وعيًا بالحقوق”،
فاعلم أن المعركة لم تعد على قانون… بل على وعي أمة كاملة.
لأن الأمة التي يفقد أطفالها معنى البيت، ستقضي سنوات طويلة تبحث عن معنى الوطن.
بقلم محمود حمدي




