مقالات

حل الكنسيت.. صراع نتنياهو الوجودي ومعركته الأخيرة !!

تبدو معركة حل الكنيست الإسرائيلي أبعد من مجرد خلاف حزبي أو أزمة ائتلافية، لأنها تعكس صراعاً على شكل النظام السياسي الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر وعلى مستقبل نتنياهو ومساعيه للبقاء في السلطة مهما كان الثمن، مع تصاعد المخاوف من دخول إسرائيل في أزمة حكم طويلة ومفتوحة تهدد وجودها.

قرار حل الكنيست فتح باب التكهنات على مصراعيه حول السيناريوهات المحتملة داخل الدولة العبرية ومستقبل حكومة نتنياهو الذي أصبح على المحك ووضعها أمام 3 احتمالات هي إسقاط الحكومة لصالح حكومة يمين – وسط أو تشكيل حكومة وحدة قومية صهيونية أو استمرار الانقسام لمنع أي معسكر من تشكيل ائتلاف حاكم وهنا ستتحول الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال وهو السيناريو الأكثر خطورة، لأنها ستكون متحررة من الرقابة البرلمانية في ظل ضعف آليات المحاسبة.

انطلاق الحملة الانتخابية في إسرائيل قبل 100 يوم من الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، التي قد تكون أكثر المعارك السياسية حساسية في تاريخ إسرائيل وترسم مستقبل الحكم في إسرائيل، ومصير نتنياهو.

وحسب التقديرات المتاحة فأن معسكري الحكومة والمعارضة لا يملك أيا منهما فرصة الحصول على 61 مقعداً دون الاعتماد على أحزاب أخرى، ويواصل المعسكران تبادل الاتهمات فنتنياهو وحملته يتهمون المعارضة بأنها لا تستطيع تشكيل حكومة دون الأحزاب العربية، وترد المعارضة بأنه يرهن مستقبله لأطماع الأحزاب الحريدية، فيما يبقى الناخبون المترددون، ونسبتهم تتراوح بين 10% و20% من إجمالي الناخبين، هم العامل الحاسم في النتيجة، لأن عدة مقاعد فقط قد تغير هوية الحكومة المقبلة.
وما زال هجوم 7 أكتوبر هو الكابوس المرعوب لبنيامين نتنياهو وعصابته من المتطرفين لأنه غيّر المشهد السياسي في إسرائيل كليا، وتسبب في تراجع معسكر نتنياهو من الأغلبية المريحة إلى الوضع الضبابي الذي لا يضمن تشكيل الحكومة.

نتنياهو يخشى من تداعيات التشريعات الأخيرة، وعلى رأسها القوانين المتعلقة بإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، من نسف حلمه في الاستمرار على رأس قمة هرم السلطة وسيحاول إعادة تقديم نفسه على إنه رجل الأمن لحشد قاعدته اليمينية فيما ستلعب المعارضة، بورقة إخفاقات 7 أكتوبر وتهرب نتنياهو من تشكيل لجنة تحقيق رسمية لتحمل مسئولية ما حدث للإطاحة به من رئاسة الحكومة لكن تظل أكبر مشكلة تواجه المعارضة الإسرائيلية هي غياب مرشح واحد قادر على منافسة نتنياهو بشكل مباشر فبعد أن كان نفتالي بينيت في الصدارة، برز في الصورة جادي آيزنكوت ثم أظهر أفيغدور ليبرمان طموحه لقيادة معسكر المعارضة لكن سيبقى نجاح المعارضة مرهونا بقدرتها على التوحد خلف مرشح واحد، أو تشكيل قائمة انتخابية كبيرة تضم الثلاثي بينيت وآيزنكوت ويائير لابيد وقد تبقى الأحزاب اليمينية الصغيرة هي صاحبة القرار النهائي في حسم الأمور، لأنها ليست ملزمة مسبقاً بدعم نتنياهو أو معارضته وتستطيع الانضمام إلى أي ائتلاف يمنحها نفوذاً سياسياً، وبالتالي توفر الأغلبية اللازمة (61 مقعداً) لأي من الطرفين.

مصادقة الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون حل نفسه، خطوة تعكس عمق الأزمة السياسية داخل الائتلاف الحاكم في إسرائيل بعدما أيد مشروع القانون 110 من أعضاء الكنيست دون معارضة، وسيتم لاحقاً مناقشة القانون في اللجان ذات الاختصاص وعرضه على الهيئة العامة للكنيست للمصادقة عليه بالقراءات الثلاث ليكون ساريا.

الانتخابات التشريعية المقبلة كان يفترض أن تُجرى بحلول 27 أكتوبر، لكن نتنياهو يحاول تفادي الوصول إلى موعد يتزامن مع الذكرى الثالثة لمعركة طوفان الأقصى، التي تحولت في الوعي الإسرائيلي إلى رمز لأكبر إخفاق أمني واستخباراتي وعسكري في تاريخ إسرائيل ويخشى أن تتحول هذه الذكرى إلى محطة سياسية وشعبية لمحاسبته.

مشروع القانون يحمل طابعاً خاصاً، وليس حكومياً، وبالتالي فهو يحتاج للمرور بعدة مراحل تشريعية تبدأ بالقراءة التمهيدية، ثم القراءة الأولى، وصولاً إلى القراءتين الثانية والثالثة، وهو ما قد يستغرق أسابيعا أو حتى أشهراً، حسب حجم المناورات السياسية داخل الائتلاف الحكومي والمعارضة التي يعتبر نجاحها في تمرير القراءة التمهيدية، ضربة سياسية لنتنياهو.

مشروع القانون، ينص على إجراء الانتخابات بعد 90 يوماً من المصادقة النهائية على حل الكنيست، وبالتالي سيكون الجميع أمام سيناريوهات سياسية معقدة أولها نجاح المعارضة، بدعم من الأحزاب الحريدية الغاضبة، في تمرير القراءة التمهيدية، ما يشكل ضربة سياسية لنتنياهو وتصدع ائتلافه الحاكم لكنه قد يلجأ إلى تعطيل المشروع أو إبطاء مساره، عبر مفاوضات وضغوط وصفقات مع الحريديم.

وثانيها فشل التصويت على حل الكنيست في المراحل التالية، قد يصب مؤقتاً في مصلحة نتنياهو، لأنه يمنحه وقتاً إضافياً لترميم ائتلافه واحتواء أزمة التجنيد ويتيح له الاستمرار في إدارة الحرب والملفات الأمنية من موقع القوة، لأنه يدرك أن أي انتخابات الآن قد تتحول إلى استفتاء مباشر على مسئوليته عن إخفاق 7 أكتوبر.

ومع كل ما سبق يعاني نتنياهو من 3 هواجس تقض مضجعه وتضعه على حافة الخطر حال إجراء الانتخابات وهي ذكرى 7 أكتوبر المؤلمة وعملية طوفان الأقصى الحاضرة بقوة في ذاكرة المجتمع الإسرائيلي وعدم قدرته على تحقيق نصر حاسم في غزة أو في الجبهات التي فتحها وتراجع الثقة الشعبية في شعاره المتكرر حول النصر المطلق لأن كل حروبه لم تحقق أهدافها المعلنة، سواء القضاء على حركة حماس، أو إعادة الأسرى، أو استعادة الردع بصورة كاملة، مع الفشل في نزع سلاح حزب الله والإخفاق في حسم الحرب مع إيران لذلك سيفضل إبقاء المشهد معلقاً بين خيار التلويح بالانتخابات وخيار التأجيل مع استثمار الحرب والخطاب الأمني لتوحيد معسكر اليمين المتطرف خلفه.

المعارضة من جانبها تدرك إن أي تأجيل قد يمنح نتنياهو فرصة لإعادة ترتيب أوراقه السياسية والأمنية، لذا ستحاول الدفع إلى انتخابات مبكرة قبل أن نجاحه في تغيير المزاج العام أو تحقيق إنجاز سياسي أو عسكري يمكنه من إعادة ترميم صورته المدمرة.
بقلم محمد عبدالجواد
كاتب وصحفي مصري

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى