سمعة نساء مصر على صفيح ساخن!!

سمعة المرأة المصرية تقف اليوم على صفيح ساخن؛ ليس لأن كل ما نراه على الشاشات يعبر عنها، وإنما لأن صورة المرأة نفسها أصبحت في بعض مساحات السوشيال ميديا مادة للعرض والاستثمار وجذب العيون. هناك شيء ما يتغير أمام أعيننا… ليس في شكل المرأة وحده، بل في الطريقة التي تُعرض بها، وفي استعداد البعض لتحويل خصوصيته وحتى كرامته إلى مادة للفرجة. ما كان تجاوزًا صار يُقدَّم جرأة، وما كان يُخجل منه صار يُسوَّق حرية، بمجرد أن يحقق ملايين المشاهدات.
المشكلة ليست في امرأة تظهر أو رجل يصنع محتوى، وإنما حين يصبح الظهور غاية، والاستفزاز وسيلة للنجاح، والخصوصية سلعة. عندها لا يعود السؤال: ماذا يفعل الإنسان؟ بل: إلى أي مدى يمكن أن يذهب حتى يظل الناس ينظرون إليه؟
كان اسمه «حرامًا»، ثم «عيبًا»، ثم «حرية شخصية»، حتى وصلنا إلى العبارة التي تغلق كل نقاش: «وإنت مين عشان تنتقد؟». وحين يصبح تغيير اسم الشيء أسهل من مواجهة حقيقته، لا تتغير الحقيقة… الذي يتغير هو الاسم الذي نطلقه عليها.
السوشيال ميديا صنعت سوقًا للانتباه؛ كلما ارتفع الجدل ارتفعت القيمة، وهكذا يتحول الإنسان تدريجيًا من صاحب رسالة إلى صاحب «مشاهدات»، حتى يجد نفسه مضطرًا لرفع جرعة الإثارة كي لا يختفي من الشاشة. والمبرر جاهز دائمًا: «أنا حر». لكن السؤال الذي لا يحب أحد سماعه: هل أنت حر فعلًا، أم أن إدمان الشهرة والخوف من الاختفاء علّماك كيف تكون مثيرًا حتى تظل ظاهرًا؟
والأكثر تناقضًا أننا نلعن صانع المحتوى ثم نذهب لمشاهدته، نهاجمه في التعليقات ثم نرفع أرقامه، نرفضه أخلاقيًا ونكافئه اقتصاديًا. المشاهد شريك. كل مشاهدة تمنح المحتوى عمرًا، وكل مشاركة تمنحه انتشارًا، وحتى الغضب عليه قد يتحول إلى إعلان مجاني. نحن أحيانًا نشتكي من النار بينما نمسك الحطب بأيدينا؛ لأنك لا تشاهد فقط… أنت تصوّت.
لكن هناك خطأ آخر: أن يتحول الحديث عن الحياء إلى محكمة مفتوحة للناس، خصوصًا النساء. الحياء ليس طول فستان، ولا شكل شعر، ولا طريقة مشي، وليس من حق أحد أن يجعل جسد المرأة ميدانًا دائمًا لتصفية حساباته مع المجتمع. هناك فرق بين أن تقول: «هذا المحتوى مبتذل»، وبين أن تقول: «هذه المرأة سيئة»، وفرق بين نقد سلوك وبين إهانة إنسان. النقد حق، والوصاية ليست حقًا.
فالحياء الحقيقي أعمق من المظهر؛ هو رقيب يسكن داخل الإنسان حين يغيب الرقيب الخارجي، أن يعرف ماذا يقول، ومتى يتوقف، وماذا يعرض للناس، وماذا يحتفظ به لنفسه. وقد جاء في قصة موسى عليه السلام: ﴿فَجَاءَتْ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾. لكن عصر الشاشة أقنع كثيرين بأن الخصوصية نقص، والاختفاء فشل، وعدم الظهور موت اجتماعي، فأصبح خلاف عائلي، أو لحظة انفعال، أو سر من أسرار البيت، قابلًا للتحول إلى مادة للنشر والمشاهدة. وحين تصبح الخصوصية سلعة، يصبح الإنسان نفسه جزءًا من البضاعة.
ومع ذلك، ليس كل ظهور ابتذالًا، وليس كل امرأة أمام الكاميرا فاقدة للحياء، وليس كل محتوى جريئًا فسادًا. التعبير عن الذات حق، والظهور قد يكون عملًا وفنًا ونجاحًا، لكن الفارق خطير بين أن تكشف شيئًا لأنك اخترت ذلك، وأن تكشفه لأنك عرفت أن كشفه سيجلب لك المشاهدات. وهنا يبدأ السؤال الأخطر: هل أنا أستخدم المنصة، أم أن الشهرة أصبحت تستخدمني؟
فالأسرة مطالبة بأن تعلم أبناءها أن الحرية مسؤولية، والإعلام مطالب بألا يصنع نجومية من مجرد القدرة على الصدمة، وصانع المحتوى مطالب بأن يسأل نفسه قبل أن يضغط زر النشر: ماذا أبيع الآن… محتوى، أم جزءًا من حياتي؟ والجمهور أيضًا أمام مسؤولية لا يستطيع الهروب منها؛ فإذا كان كل ما نرفضه بألسنتنا نكافئه بأعيننا، فنحن لا نحارب الظاهرة… نحن نمول استمرارها.
سمعة المرأة المصرية لا يحميها التشهير، ولا محاكم التفتيش الأخلاقية، كما لا يحميها إسكات كل نقد تحت شعار «الحرية». الذي يحميها وعي يفرق بين التعبير والابتذال، وبين الحرية والاستغلال، وبين النقد والوصاية. وفي النهاية، القضية أكبر من امرأة أمام كاميرا؛ هناك من يصنع المحتوى، ومن يحوله إلى تجارة، وجمهور يمنحه القيمة.
فمن الذي يسيء إلى صورة المرأة المصرية فعلًا؟
من تقف أمام الكاميرا؟ أم من يحولها إلى سلعة؟ أم ملايين العيون التي ترفض المشهد بلسانها… ثم تكافئه بعينيها؟
بقلم محمود حمدى


