الجنة ليست تحت أقدام كل الأمهات!!

«الجنة تحت أقدام الأمهات» عبارة قيلت تعظيمًا لمكانة الأم، لكننا أحيانًا نسيء استخدامها حتى نحوّل التكريم إلى حصانة، والبر إلى صمتٍ عن الخطأ.
وكأن لقب «أم» يكفي ليصبح التدخل حكمة، والانحياز عدلًا، والافتراء خوفًا، والتفريق حرصًا على المصلحة.
وهنا يجب أن تُقال الجملة التي سيغضب منها كثيرون: الجنة ليست تحت أقدام كل الأمهات. وليس المقصود حكمًا دينيًا على مصير أم أو استحقاقها للجنة؛ بل رفض تحويل عبارة عظّمت الأمومة إلى شيك أخلاقي على بياض، وكأن كل ما تفعله الأم يصبح صحيحًا لمجرد أنها أم.
والحديث ليس عن الأمهات جميعًا؛ فالرحمة هي الوجه الذي نعرفه للأمومة، وكم من أمٍ صنعت في صمت ما تعجز الكلمات عن الوفاء بحقه.
لكن عظمة الأصل لا تمنع وجود الاستثناء، واحترام المقام لا يفرض إنكار الخطأ.
فليس كل قدمٍ لأم مشت في الرحمة. هناك قدم مشت لتجمع، وأخرى مشت لتفرّق.
أم إذا اشتعل بيت ابنتها جاءت بالماء، وأخرى جاءت بالحطب.
أم تستر وتصلح، وأخرى تحرّض وتضخّم الخلاف حتى يصبح الخصام قطيعة والبيت ركامًا، ثم تقول: «أنا أمها وأعرف مصلحتها».
والأقسى أن يتحول خلاف الأم مع الأب إلى ميراث يُورَّث للأبناء؛ فتُروى لهم نصف الحكاية، وتُضخّم أخطاؤه، وتُمحى مواقفه الطيبة، حتى يتحول الأب في عيون أبنائه من أبٍ اختلفت معه أمهم إلى خصمٍ يُطلب منهم أن يرثوا خصومةً لم يصنعوها. وهنا تصبح قوة الأم العاطفية إما أمانة تحمي أبناءها من صراع الكبار، أو سلاحًا يدفعون ثمنه سنوات.
وقد يدخل القانون إلى المعركة؛ لا لأن المطالبة بالحق خطأ، ولا لأن اللجوء إلى القضاء إدانة لأحد، بل حين تتحول بعض إجراءاته من وسائل لحماية الحقوق إلى أدوات للضغط وإطالة الخصومة. وواقع محاكم الأسرة وما تشهده من قضايا الطلاق والخلع والنزاعات المترتبة على الانفصال يكشف أن كثيرًا من العلاقات تصل إلى النقطة التي يصبح فيها القضاء طرفًا في إنهائها أو تسوية آثارها.
لكن الأخطر ليس عدد القضايا ولا من كسب الحكم؛ الأخطر هو ما لا يظهر في أوراق المحاكم: ماذا يحدث للأبناء عندما تنتهي القضية ولا تنتهي الخصومة؟
فالمحكمة تستطيع أن تفصل في دعوى، لكنها لا تستطيع أن تمحو من ذاكرة طفل ما قيل عن أبيه، ولا كل مرة شعر فيها أنه مطالب باختيار معسكر. وحين تمتد الخصومة إلى قلوب الأبناء، قد يصبح الطفل ورقة، والأب خصمًا، والبيت ملفًا. فالطفل ليس قاضيًا في محكمة أبويه، ولا جنديًا في جيش أحدهما، ولا ينبغي أن يدفع ثمن حرب لم يخترها.
ثم حين يعترض أحد، تأتي العبارة الجاهزة: «دي أم… والجنة تحت أقدام الأمهات». وهنا يتحول التكريم إلى وسيلة لإسكات النقد. فبرّ الأم شيء، وتقديس أخطائها شيء آخر. أن تبر أمك لا يعني أن تسمي ظلمها عدلًا ولا افتراءها حقيقة؛ فالبر لا يحتاج إلى كذب، والاحترام لا يعني تعطيل العقل. فالرحم يمنح صلة، لا عصمة.
الأم العظيمة لا تحتاج أن تذكّرك بأن الجنة تحت قدميها؛ أفعالها هي التي تمنح الأمومة معناها. تراها في الرحمة حين تستطيع القسوة، وفي العدل حين تستطيع الانحياز، وفي إطفاء النار حين تستطيع إشعالها، وفي حماية أبنائها من خلافها مع أبيهم بدل أن تجعل قلوبهم ساحةً له.
أما أن نظلم ونفرّق ونفتري، ونشوّه أبًا في عيون أبنائه، ونحوّل الأطفال والقانون إلى أدوات للخصومة، ثم نرفع لقب «الأم» في وجه كل من يعترض… فهنا لم نعد نكرّم الأمومة، بل أصبحنا نستعير قدسيتها لتبرير ما يناقض معناها.
الأمومة مقام عظيم، لكن عظمة المقام لا تمنح العصمة؛ بل تجعل المسؤولية أثقل. فمن مُنحت قدرة هائلة على صناعة الأمان، تصبح مسؤوليتها أكبر حين تتحول تلك القدرة إلى مصدر للخراب.
لذلك فالمسألة ليست: هل أنجبتِ؟
بل السؤال الذي لا تحسمه الألقاب، ولا تجيب عنه أوراق المحاكم:
ماذا صنعتِ في قلوب من أنجبتِ؟
بقلم محمود حمدى



