الجيل الذي استبدل كل شيء… إلا عيوبه

كان هناك جيل إذا فسد في نفسه شيء، حاول إصلاحه. إذا أخطأ اعترف، وإذا فشلت علاقة سأل نفسه قبل أن يتهم الآخرين. لم يكن جيلًا كاملًا، لكنه كان يعرف أن الإنسان لا يهرب من عيوبه، بل يواجهها.
ثم انتشرت أفكار مشوهة لا تنتمي إلى قيم المجتمع ولا إلى منطق المسؤولية، لا تسأل: كيف أصلح نفسي؟ بل تسأل: ماذا أستبدل اليوم؟ أستبدل الصديق، وأستبدل الزوج، وأستبدل العمل، وأستبدل المدينة، وأحيانًا أستبدل الحقيقة نفسها بكذبة أكثر راحة. أصبح الاستبدال أسهل من الإصلاح، والتخلص من الناس أسهل من مراجعة النفس.
أما اليوم فبعض الناس لا يخافون من العيب نفسه، بل يخافون ممن يلفت نظرهم إليه. فإذا نصحته اتهمك، وإذا واجهته بالحقيقة هاجمك، وإذا وضعت أمامه مرآة تكشف أخطاءه كسر المرآة واحتفظ بالخطأ.
ولم تنتشر هذه الأفكار المشوهة من فراغ. فقد ساهمت تربية ترفض النقد، وتعليم يهتم بحفظ الإجابات أكثر من مراجعة النفس، وصراعات أسرية، وقوانين تنشغل بالنزاع أكثر مما تنشغل بالطفل، حوّلت بعض الأبناء إلى وقود لخلافات الكبار. وعندما يكبر الإنسان على تبرير الأخطاء أكثر من الاعتراف بها، لا تتفاجأ عندما يعتقد أن المشكلة دائمًا في الآخرين.
الحقيقة التي لا يحب كثيرون سماعها هي أن بعض الناس لا يهربون من الأشخاص، بل يهربون من مواجهة أنفسهم. لذلك يتركون خلفهم قلوبًا مكسورة، وعلاقات مهدمة، وفرصًا ضائعة، ثم يقفون وسط كل هذا الخراب مقتنعين أن المشكلة كانت دائمًا في غيرهم.
يخرجون من علاقة وهم مقتنعون أن الطرف الآخر هو السبب. ويغادرون عملًا وهم يلعنون الجميع. ويتشاجرون مع الناس واحدًا بعد الآخر. ثم ينظرون إلى كل ما انهار حولهم ويقولون بثقة مذهلة:
“أنا لست المشكلة.”
وأخطر ما أنتجته هذه الأفكار المشوهة أنها جعلت الاعتراف بالخطأ ضعفًا، والاعتذار إهانة، ومراجعة النفس هزيمة. فأصبح الإنسان مستعدًا أن يخسر صديقًا، أو زوجًا، أو أبناءً، أو سنوات من عمره، لكنه غير مستعد أن يقول:
“ربما كنت مخطئًا.”
هناك أناس خسروا أبناءهم، وخسروا أصدقاءهم، وخسروا أجمل سنوات أعمارهم، لا لأنهم كانوا سيئين بالضرورة…
بل لأن كبرياءهم كان أكبر من أن يعترفوا بخطأ واحد.
لا تدمر الإنسان عيوبه دائمًا…بل يدمره دفاعه المستميت عنها، وإصراره على أنها ليست عيوبًا أصلًا.
فيقضي عمره يبدّل الأصدقاء، ويبدّل الشركاء، ويبدّل الوجوه…ثم يكتشف بعد فوات الأوان أن الشخص الذي كان يهرب منه طوال حياته…
كان نفسه.
بقلم محمود حمدي



