بين الشهادة وسوق العمل… فاتورة يدفعها الجميع

تمتلئ القاعة بأثواب التخرج، والزهور، والوجوه المبتسمة، وتُنادى أسماء الخريجين، وتُرفع الشهادات، ويعلو التصفيق. أسرةٌ أنفقت من مالها وراحتها سنوات، ودولةٌ أنفقت على الجامعات والأساتذة والمعامل. ثم تُعلَّق صورة التخرج على الجدار، ويخرج الجميع وهم يظنون أن الرحلة انتهت… بينما تبدأ المعركة الحقيقية: معركة إثبات النفس.
يطرق الخريج أبواب سوق العمل، فيكتشف أن تخصصه لا يحتاج إليه السوق، أو أن ما درسه طوال سنوات لا يكفي لما تطلبه الوظائف. فيبدأ من جديد: دورات تدريبية، أو اكتساب مهارات لم يتعلمها، وربما ينتهي به الأمر إلى عمل لا يمت بصلة إلى شهادته.
قبل أن يصعد أول خريج إلى منصة التكريم، تكون الأسرة والدولة قد دفعتا ثمن تلك اللحظة بالفعل. لكن السؤال الحقيقي ليس: كم أنفقنا؟ بل: ماذا حصدنا؟
تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد خريجي مؤسسات التعليم العالي بلغ 743.1 ألف خريج خلال عام 2024، واستحوذ مجال الأعمال والإدارة والقانون على 31.5% من إجمالي الخريجين. كما شكّل الحاصلون على المؤهلات الجامعية والدراسات العليا 41.5% من إجمالي المتعطلين في الربع الأول من عام 2026. (المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، النشرة السنوية لخريجي التعليم العالي 2024، ونشرة قوة العمل – الربع الأول 2026).
ولا تعني هذه الأرقام أن قيمة التخصصات تُقاس بمعدل التوظيف، لكنها تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: هل تتوافق مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل؟
الأسرة تتحمل نفقات الدراسة، والدروس الخصوصية، والكتب، والمواصلات، ومستلزمات التعلم.
وتتحمل الدولة تكلفة الجامعات، ورواتب أعضاء هيئة التدريس والعاملين، وتجهيز المعامل والمدرجات، وتشغيل المؤسسات التعليمية.
ومع ذلك، لا يتناسب العائد مع ما دفعته الأسرة، ولا مع ما أنفقته الدولة، ولا مع سنوات الجهد التي بذلها الطالب، عندما يكتشف كثير من الخريجين أن سوق العمل لا يستوعب التخصص الذي أمضوا سنوات في دراسته.
ولعل الخطأ الأكبر أننا حصرنا النجاح في طريق واحد، بينما يحتاج الاقتصاد إلى مسارات تعليمية متعددة. فالجامعة ليست الطريق الوحيد للنجاح، كما أن التعليم الفني ليس طريقًا أقل قيمة.
وقد أثبتت نماذج مصرية ناجحة، مثل معهد السالزيان “دون بوسكو”، ومدارس التكنولوجيا التطبيقية بالشراكة مع مؤسسات صناعية مثل “توشيبا العربي” و”السويدي”، أن ربط التعليم بالتدريب الحقيقي واحتياجات الصناعة قادر على تخريج شباب يدخلون سوق العمل بمهارة يحتاجها الاقتصاد، لا بمجرد شهادة.
ولهذا لم تعد إعادة الاعتبار للتعليم الفني والتطبيقي خيارًا، بل ضرورة اقتصادية. فلا اقتصاد قوي من دون تعليم يمده بالكفاءات، ولا تعليم ناجح إذا ظل بعيدًا عن احتياجات التنمية.
ونحتاج إلى خريطة وطنية تحدد أعداد المقبولين في كل تخصص وفق احتياجات سوق العمل، مع مراجعتها دوريًا، وإعلان نسب تشغيل الخريجين بشفافية، والتوسع في النماذج التعليمية الناجحة، حتى تتحول الاستثمارات في التعليم إلى كفاءات تدعم الاقتصاد، لا إلى شهادات تنتظر فرصة.
فالشهادة ليست ورقة تُعلَّق على الجدار، بل ثمرة استثمار في الإنسان، لا تكتمل قيمتها إلا حين تتحول إلى عمل، أو معرفة، أو أثر.
وستظل القاعات تمتلئ كل عام بأثواب التخرج، والزهور، والوجوه المبتسمة، وستظل الشهادات تُرفع في أيدي أصحابها، ويعلو التصفيق. لكن قيمة الشهادة لا يصنعها يوم التخرج، بل ما تحققه بعده. فإذا خرج الخريج إلى فرصة حقيقية يسهم بها في بناء وطنه… عندها فقط، يكون التصفيق في محلّه.
بقلم/ محمود حمدي




