أغبياء العصر ولعبة “النهايات”: حين ترتدي الأطماع عباءة المقدّسات

في عالمٍ بات يهرول نحو حتفه بوعيٍ أو بدون وعي، تبرز ظاهرة “تسييس كل المواقف والاطماع في مقدرات الدول الأخرى”، حيث تُصبغ الحروب التوسعية والأطماع السياسية بصبغة دينية فجة، وشعارات زائفة الغرض منها ليس إعلاء كلمة الحق بقدر ما هو كلمات حق يراد بها باطل، وخداع العامة واستقطاب العواطف الجياشة لخدمة أجندات ضيقة لشخصيات تحكم من الظل، هؤلاء الذين يظنون أن بإمكانهم “هندسة” القدر أو استعجال سيناريو النهاية الذي وضعه الخالق لهذا الكوكب منذ الأزل، ليسوا سوى “أغبياء كونين” يجهلون أن السنن الإلهية لا تخضع لتهجين وراثي ولا لمناورات سياسية.
لقد شهدنا مؤخراً محاولات لليّ عنق النصوص الدينية وتطويع الرموز التاريخية لتبرير الإبادة. فبين انتظار “خروج الإمام من السرداب” أو السعي الحثيث لميلاد “البقرة الحمراء” بمواصفات مختبرية، يحاول القادة الجبناء إقناع شعوبهم بأنهم “أدوات للقدر”. لكن الحقيقة المرة هي أن هذه الرموز سواء كانت غيبية أو مادية هي ملك لله وحده وتوقيتها بيده، وما يفعله البشر اليوم ليس سوى فوضى مدمرة ودماء تسيل بلا ثمن، لن تغير من المخطط الإلهي قيد أنملة.
إن الفرق الجوهري بين حروب الماضي وحروب اليوم يكمن في “الشرف العسكري”. قديماً، كانت المواجهة وجهاً لوجه في الميدان هي الحكم، والمنتصر هو من يملك الشجاعة والثبات. أما اليوم، فقد أصبح الغدر هو الاستراتيجية، وإبادة المدنيين هي وسيلة الضغط، وخيانة المواثيق هي الطريق نحو “نصر” زائف.
“الجبان في عصرنا الحالي لم يعد يحتاج لشجاعة ليصبح منتصراً؛ يكفيه أن يملك تكنولوجيا الدمار وضميراً ميتاً ليمحو مدناً بمن فيها.”
إن الدماء البريئة التي تسفك تحت مسميات “الكفر” أو “العدو” لن تذهب سدى. فالميزان الإلهي لا يعترف بتصنيفات البشر السياسية؛ القاتل سيحاسب على فعل القتل كجريمة إنسانية كبرى، والكافر سيحاسب على معتقده أمام ربه. لا توجد “صكوك غفران” سياسية تبيح إزهاق الأرواح، وسوف يأتي الوقت الذي يندم فيه هؤلاء المحركون لدمى الحرب، ولكن في وقتٍ لن ينفع فيه الندم، حيث تتجرد النفوس من مناصبها وأسلحتها لتقف أمام الحقيقة المطلقة.
إن هذا الكوكب، رغم كل محاولات التدمير الممنهجة، يسير وفق قدر مرسوم. وأولئك الذين يظنون أنهم يمسكون بزمام “النهاية” عبر الخيانة وإبادة الدول، ليسوا إلا وقوداً لفترة من أحلك فترات التاريخ البشري. النصر الحقيقي لا يُبنى على جثث الأطفال، والقدر الإلهي أسمى من أن تطاله أيدي العابثين في المختبرات أو في غرف العمليات العسكرية.
بقلم عبير مدين
كاتبة سياسية و روائية




