عوانس في رقبة القانون!!

لو كان الهدف الحقيقي هو تفشيل مشروع الزواج في مصر، فلا يوجد وسيلة أكثر فاعلية من تحويل العلاقة الإنسانية إلى ملف قانوني مليء بالخوف والشك والتهديدات المسبقة.
هذا بالضبط ما يشعر به كثير من الشباب اليوم وهم يشاهدون النقاشات الدائرة حول قوانين الأحوال الشخصية وبنود الزواج الجديدة.
بدلًا من أن يسمع الشاب كلامًا عن المودة والرحمة وبناء بيت وتحمل مسؤولية، يجد نفسه أمام قائمة طويلة من البنود والتحذيرات والعقوبات واحتمالات الانفصال.
وكأن المجتمع لم يعد يناقش كيف ينجح الزواج، بل كيف يُدار الطلاق بأقل الخسائر.
المشكلة أن بعض الطروحات خرجت من إطار حماية الحقوق إلى صناعة حالة عامة من الرعب تجاه فكرة الزواج نفسها.
فأصبح الشاب يدخل العلاقة وهو يشعر أنه متهم محتمل، وأصبحت الفتاة تدخل وهي مقتنعة أن النهاية حتمية وأن عليها تأمين نفسها قبل أن تبدأ الحياة.
هذه ليست حماية للأسرة، بل إعادة صياغة للعلاقة على أساس الشك الدائم.
الفكر المصري بطبيعته لا يتقبل فكرة المقاطعة الباردة داخل العلاقات الإنسانية.
المجتمع المصري قائم على الترابط العائلي والتداخل الاجتماعي والاحتواء، لا على فكرة “العقد الصارم” الذي يحكم كل تفصيلة وكأن الزوجين شركاء في شركة مهددة بالفسخ.
الناس هنا تريد الأمان العاطفي، لا إدارة قانونية للعلاقات.
لكن ما يحدث اليوم هو محاولة مستمرة لتحويل الزواج إلى اتفاق مسبق على بنود الانفصال.
حديث عن الطلاق قبل الزواج، وصراع على الحضانة قبل إنجاب الأطفال، وتفاوض على العقوبات قبل تكوين بيت واحد.
أي منطق هذا؟
ثم يتساءلون بعد ذلك: لماذا يخاف الشباب من الزواج؟ ولماذا ترتفع نسب العنوسة والعزوف عن تكوين الأسرة؟
الحقيقة القاسية أن بعض القوانين أو الطروحات الاجتماعية، حتى لو خرجت بشعارات براقة، ساهمت في زيادة الفجوة بين الناس.
ليس لأن فكرة حماية الحقوق خطأ، بل لأن طريقة الطرح نفسها صنعت حالة عداء بين افكار الرجل والمرأة، وكأن الطرفين خصمان لا شريكان.
الأسوأ أن كثيرًا ممن يدفعون بهذه الأفكار يعيشون بعيدًا عن الواقع الحقيقي للشباب.
لا يشعرون بحجم الضغوط الاقتصادية، ولا بالخوف النفسي، ولا بإنهيار الثقة التدريجي داخل المجتمع.
يطرحون البنود من فوق المكاتب والشاشات، بينما من يدفع الثمن الحقيقي شاب بسيط أصبح يرى الزواج مشروع مخاطرة لا مشروع حياة.
وحين تتحول العلاقة الإنسانية إلى سلسلة من التحذيرات والاشتراطات والشكوك، فمن الطبيعي أن يهرب الناس منها.
فالإنسان لا يدخل بيتًا وهو مقتنع مسبقًا أنه ذاهب إلى المحكمة في النهاية.
الأسرة لا تُبنى بالعقوبات وحدها، ولا تستمر بالخوف، ولا تنجح بمنطق الانتقام الوقائي.
وإذا استمر التعامل مع الزواج بهذه الطريقة، فلن يكون غريبًا أن تتحول كلمة “الاستقرار” نفسها إلى حلم نادر في مجتمع كان يومًا يؤمن أن البيت هو مصدر الأمان الأول.
وفي النهاية، إذا استمرت القوانين تُصاغ بعيدًا عن طبيعة المجتمع المصري، وبعيدًا عن العرف المستقر وروح الشريعة، فسيكون الثمن أكبر من مجرد جدل على مواقع التواصل.
سنرى مزيدًا من الخوف من الزواج، ومزيدًا من التفكك، وارتفاعًا واضحًا في نسب الطلاق والعنوسة، لأن الناس لا تبحث فقط عن نص قانوني، بل عن أمان واستقرار وثقة داخل العلاقة.
القوانين التي تُبنى دون فهم حقيقي لطبيعة المجتمع قد تنجح على الورق، لكنها تفشل في الواقع.
ومع الوقت، سيكتشف الجميع أن الأسرة لا تُحفظ بالصراع ولا بكثرة البنود، بل بالتوازن والعدل والوعي واحترام الفطرة التي قام عليها المجتمع عبر أجيال طويلة.
بقلم محمود حمدي

