مدونات عرب بوست

نهاية زمن إرضاء الآخرين!!

لم يعد التعب اليوم مجرد نتيجة عمل، بل أصبح نتيجة محاولة دائمة لإثبات أننا كافون في نظر الآخرين.
نلهث خلف صورة مثالية لا تنتهي، ونقيس أنفسنا بما يملكه غيرنا، لا بما نحتاجه نحن.
بين ضغط المعيشة وضغط المقارنة، بدأ الإنسان يخسر شيئاً من راحته الداخلية دون أن يشعر.

لم يكن حال المصريين في الماضي القريب مثالياً كما يظن البعض، لكن الناس كانت تعرف قيمة “الستر” أكثر من قيمة “الاستعراض”.
كان الرجل يعود إلى بيته متعباً من عمله، لكنه يشعر أنه يبني بيتاً لا مجرد مصدر لدفع الفواتير. وكانت المرأة ترى في الاستقرار نجاحاً، لا مجرد لقب اجتماعي أو صورة على الهاتف.
وكانت الأسرة كلها تتحرك بروح “نحن”، لا بعقلية “أنا”.

في الماضي القريب، لم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت أوضح.
كانت البساطة حاضرة في التفاصيل، وكان الإنسان يعرف حدود قدرته، فيرضى بما يستطيع أن ينجزه دون أن يجلد نفسه بالمقارنات.
لم تكن الحياة سباقاً مفتوحاً، بل خطوات محسوبة فيها تعب، لكن فيها طمأنينة أيضاً.

كان الزواج يُبنى على ما هو متاح، لا على ما هو مثالي.
غرفة صغيرة كانت تكفي لبداية حياة، وكلمة “نبدأ” كانت أهم من “نكمل كل شيء أولاً”.
أما اليوم، فقد أصبحت البدايات مؤجلة حتى تكتمل كل الشروط، وكأن الحياة يجب أن تبدأ كاملة أو لا تبدأ.

وفي السابق، كان الدخل محدوداً لكنه مفهوم، والحاجة واضحة، فلا أحد يعيش فوق طاقته كثيراً.
أما اليوم، فقد اتسعت دائرة الاستهلاك، وصارت المقارنات جزءاً من الحياة اليومية.
ما يملكه الآخرون لم يعد مجرد فضول، بل معياراً خفياً يُقاس به النجاح، حتى لو كان على حساب الراحة النفسية.

تغيرت أيضاً نظرتنا للأبناء. كانوا في الماضي سنداً يُنتظر ويُحتمل تعبه، أما اليوم فأصبحوا مشروعاً معقداً يحتاج حسابات دقيقة وخوفاً دائماً من المستقبل.
ومع ذلك، لم تتغير قيمة الأبناء، بل تغيرت الضغوط المحيطة بهم.

حتى العلاقات داخل البيت لم تعد بنفس البساطة. الاحترام موجود، لكن المسافات النفسية أصبحت أكبر، والحوار أحياناً حل محل الهيبة، وأحياناً حل محل الصبر أيضاً.
فاختلطت الحدود، وصار كل طرف يحاول أن يثبت نفسه داخل مساحة واحدة اسمها “البيت”.

وفي الخارج، كانت الحارة مساحة أمان اجتماعي، يعرف فيها الناس بعضهم دون تكلف.
أما اليوم، رغم قرب البيوت، اتسعت المسافات بين القلوب، وصارت المعرفة سطحية، حتى لو كانت الوسائل أقرب من أي وقت مضى.

لم تعد المشكلة في قلة الموارد، بل في كثرة الرغبات، وكثرة ما نراه من الآخرين.
أصبح الإنسان يعيش بين ما يملكه وما يراه، لا بين ما يحتاجه وما يقدر عليه، فزاد الضغط، وقلّ الرضا.

ومع كل هذا، يبقى السؤال الحقيقي: هل تغيّر الزمن وحده، أم أننا نحن من غيرنا طريقة رؤيتنا له؟
لأن “إحراق الذات لإرضاء البعض” لم يكن قدراً، بل نتيجة سباق لم يتوقف، وقياس لم يعد له نهاية.

ومع كل هذا، يبقى الحل ليس في تغيير العالم بل في تغيير نظرتنا له؛ أن نتوقف عن مقارنة حياتنا بغيرنا، ونعود لفكرة “الكفاية” قبل “الزيادة”، ونفصل بين ما نحتاجه فعلاً وما نركض خلفه لنبدو أفضل أمام الآخرين.
فالراحة لا تأتي من كثرة ما نملك، بل من خفة ما نحمله من ضغوط لا داعي لها، وربما تبدأ الطمأنينة حين نكفّ عن إحراق أنفسنا لإرضاء الجميع، ونبدأ نعيش لأنفسنا نحن أولاً.
بقلم محمود حمدي

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى