مدونات عرب بوست

لغز تخطيط جامع سليمان باشا الخادم.. بورصة العثمانية أم التريكونش القبطي؟ (3)

بعد أن تعرفنا في الحلقة السابقة على طراز التريكونش وأصوله المعمارية، ننتقل في هذه الحلقة إلى طراز آخر يرتبط ارتباطًا مباشرًا بموضوع البحث، وهو نمط بورصة الثالث (Third Bursa Type)، الذي يُعد من أهم مراحل تطور تخطيط المساجد العثمانية المبكرة.

ويشير المرحوم الأستاذ الدكتور مصطفى نجيب، الخبير العالمي في العمارة العثمانية، إلى هذا النمط باعتباره «نظام بورصة الثالث»، بينما يطلق عليه بعض الباحثين اسم التخطيط المجنح، أو التخطيط على هيئة حرف T اللاتيني مقلوبًا.

وجاءت هذه التسمية من طبيعة التخطيط الذي تبرز فيه كتلة إيوان القبلة إلى الخارج من ثلاث جهات، فيمنح المبنى من أعلى هيئة حرف T مقلوبًا.

كيف يتكون نظام بورصة الثالث؟
يتكون التخطيط التقليدي لهذا الطراز، كما ظهر في تركيا، من مجموعة عناصر معمارية رئيسية، يأتي في مقدمتها فراغ مركزي مربع يشبه الدهليز أو القاعة الوسطى، ويُغطى عادةً بقبة مركزية، بينما تكون أرضيته في الغالب منخفضة قليلًا عن مناسيب أرضيات الأواوين المحيطة به.

ويتصل بهذا الفراغ المركزي ثلاثة أواوين رئيسية:
إيوان القبلة: ويقع على المحور الرئيسي للمبنى في مواجهة المدخل، وهو أعمق الأواوين، ويضم حنية المحراب. وفي النماذج التقليدية بتركيا يُغطى عادةً بقبة قد تتجاوز في حجمها قبة الفراغ المركزي.

الجناح الجنوبي أو الإيوان الجانبي الأول: يقع إلى أحد جانبي الفراغ المركزي، ويُغطى بقبة الجناح الشمالي أو الإيوان الجانبي الثاني: يقابل الإيوان السابق، ويُغطى بدوره بقبة.

وتوجد في عدد من النماذج أيضًا حجرات ركنية عند زوايا التخطيط، إلا أن هذه العناصر اختُزلت أو تغيرت في جامع سليمان باشا الخادم.

ومن السمات الإنشائية اللافتة في هذا الطراز أن مناطق الانتقال من المربع إلى القباب تعتمد على المثلثات الكروية.

أما في جامع سليمان باشا الخادم، فقد أدخل المعمار عددًا من التعديلات على النموذج التقليدي؛ فبدلًا من القباب الكاملة التي تغطي الأواوين في النماذج التركية، نجد استخدام أنصاف القباب في بعض أجزاء التخطيط، كما جرى اختزال بعض العناصر الجانبية.

وكانت تتقدم بيت الصلاة في النماذج التركية ظلة عند المدخل، تغطيها قباب عثمانية صغيرة، وهي من العناصر التي تعرضت بدورها للاختزال والتغيير في بعض النماذج، ومنها يشيل جامع أو الجامع الأخضر في بورصة.

هل طراز بورصة الثالث عثماني خالص؟
هنا تبرز نقطة مهمة في قراءة هذا الطراز؛ فكونه يُعرف باعتباره طرازًا عثمانيًا لا يعني بالضرورة أن جميع عناصره المعمارية نشأت من فراغ داخل العمارة العثمانية.

فمدينة بورصة كانت عاصمة الدولة العثمانية قبل فتح القسطنطينية سنة 1453م، وفي بيئتها المعمارية تطورت أشكال مبكرة كان لها تأثير واضح في العمارة العثمانية اللاحقة.

ويرى الباحثون أن جذور هذا التخطيط تعود، في جانب منها، إلى العمارة الإسلامية السابقة على العثمانيين، وبخاصة تخطيطات المدارس ذات التنظيم المتعامد.

ففي نظام بورصة الثالث أُلغي الإيوان الرابع الموجود في بعض التخطيطات المدرسية، واكتفى المعمار بثلاثة أواوين تتعامد حول فراغ مركزي.

وهذا التكوين الثلاثي ليس غريبًا تمامًا عن العمارة الإسلامية السابقة على العثمانيين؛ إذ نجد له إرهاصات في العمارة الأتابكية والسلجوقية.

نموذج أتابكي سابق
ومن النماذج اللافتة التي يمكن الاستشهاد بها مدرسة كُمشتكين في بصرى بسوريا، المؤرخة إلى عام 1136م.

ورغم أنها لا تتخذ هيئة حرف T المقلوب بصورة مطابقة، ولا تغطى أواوينها بالقباب أو أنصاف القباب، فإن تخطيطها يقوم على ثلاثة أواوين تتعامد حول صحن مركزي مغطى بقبة، ويأتي إيوان القبلة بوصفه أعمق هذه الأواوين.

وهنا يمكن ملاحظة تشابه تخطيطي يستحق الدراسة عند مقارنة تطور الأشكال المعمارية التي سبقت ظهور طراز بورصة الثالث.

المدارس السلجوقية.. حلقة مهمة في تطور الطراز
تظهر إرهاصات أخرى لنظام بورصة الثالث في المدارس السلجوقية، التي سبقت العصر العثماني وكان لها تأثير كبير في تكوين العمارة العثمانية المبكرة.

ويرى الباحث أوقطاي أصلان، في كتابه فنون الترك وعمائرهم، أن المدارس السلجوقية ذات القباب تمثل أصلًا معماريًا مهمًا لنظام بورصة الثالث، مستشهدًا بتخطيط مدرستي قره طاي وإنجه مناره في قونية، حيث يقترب تخطيطهما من هيئة حرف T المقلوب.

وهذا يفتح بابًا مهمًا لفهم العمارة العثمانية المبكرة باعتبارها نتاجًا لتراكم وتطور تقاليد معمارية إسلامية وتركية سابقة، وليس مجرد ظهور مفاجئ لنمط جديد.

أبرز نماذج بورصة الثالث في تركيا
ظهر هذا الطراز في عدد من المساجد العثمانية المبكرة، ومن أبرز نماذجه:
جامع أورخان غازي في بورصة، الذي يرجع إلى الفترة 1339–1340م.

ثم جاء جامع بايزيد الأول «يلدرم»، أي «الصاعقة» أو «البرق»، في بورصة، والذي شُيد خلال الفترة 1391–1395م، ويُعد من أنضج النماذج التي وصلت إليها هذه المرحلة من تطور التخطيط.

كما يأتي يشيل جامع «الجامع الأخضر» في بورصة، الذي شُيد بين عامي 1412 و1419م في عهد السلطان محمد الأول «محمد جلبي»، وهو من النماذج المهمة لهذا الطراز، ويقترب في تخطيطه من جامع والده السلطان بايزيد الأول.
يتبع…
بقلم: د. محمد شبانة
خبير الآثار الإسلامية والقبطية والتراث

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى