مدونات عرب بوست

جيلٌ بأصابع متيبّسة حين تتحرك الأصابع… ويصمت العقل

في المقاهي والمواصلات وغرف الانتظار، وحتى حول موائد الطعام، يتكرر المشهد: يد تحمل الهاتف، وأخرى تمرّر الصور، ورأس منحني، وعينان تلاحقان محتوى لا ينتهي. أصابع لا تهدأ، وأجساد تكاد تتخشّب، وعالم حقيقي ينتظر أن يرفع أصحابه رؤوسهم إليه.

ليس الهاتف متهمًا لمجرد وجوده؛ فقد يعلّم طفلًا، وينقذ مريضًا، ويقرّب غائبًا. لكن الأداة التي صنعناها لاختصار المسافات أصبحت أحيانًا المسافة التي تفصلنا عمّن يجلسون أمامنا.

تأمل رجلًا ينتظر قهوته. لا اتصال عاجل، ولا رسالة منتظرة، ومع ذلك تمتد يده إلى جيبه قبل أن تمر دقيقة. عمّ يبحث؟ وربما السؤال الأدق: ممّ يهرب؟ هل هو ملل عابر، أم فكرة مزعجة، أم حياة تتراكم أسئلتها المؤجلة كلما هدأ الضجيج؟

ليس كل بحث عن التسلية هروبًا، ولا كل لحظة أمام الشاشة ضياعًا. لكن حين يصبح الفراغ حالة طوارئ والصمت عدوًا، تتجاوز المسألة الترفيه إلى شيء أعمق: الخوف من الجلوس مع النفس.

ففي الصمت قد نتذكّر حلمًا أهملناه، أو اعتذارًا لم نقله، أو سنوات مرّت ونحن نؤجل قرارًا يخصّنا. أما الشاشة فلا تطالبنا بإجابة؛ كل ما تريده تمريرة أخرى.

ربما لم نعد نخاف من ضياع الوقت بقدر ما نخاف من الوقوف لحظة لنرى كم ضاع منه.

نحمل مكتبات العالم في جيوبنا، ثم نقضي ساعات أحيانًا في متابعة خلافات الغرباء واستعراضاتهم. نمنح الضجيج مشاهداتنا، ونصنع من أصحابه مشاهير، ثم نسأل: أين اختفى أهل الفكر؟ كأن التفاهة صعدت إلى المنصة وحدها، ولم ندفعها إليها بأصابعنا.

ولم يعد الجهل دائمًا حرمانًا من المعرفة؛ قد يصبح اختيارًا سهلًا وسط وفرتها.

والأسوأ أننا لا نستهلك المحتوى وحده، بل نستهلك معه صورة مزيفة عن الحياة: بيوت بلا خصام، ونجاحات بلا تعب، وابتسامات لا تنطفئ. نقارن يومنا الحقيقي بلقطة منتقاة من يوم شخص آخر، ونعود محمّلين بإحساس بالنقص لم يكن موجودًا قبل فتح الشاشة.

حتى أحكامنا أصبحت أسرع من أسئلتنا. يكفي مقطع مبتور لنغضب، وعنوان مثير لندين إنسانًا، وتعليق حاد لنتبنى موقفًا.
تختصر الإصبع المسافة بين الانفعال والإعلان، قبل أن يمنح العقل نفسه فرصة للفهم.

لكن أقسى المشاهد لا يقع في الشارع، بل في البيت.

يقترب طفل من أبيه وقد امتلأت عيناه بحكاية: «بابا، عايز أحكيلك حاجة».
يرد الأب دون أن يرفع رأسه: «ثانية واحدة».
تمر الدقائق وينصرف الطفل. قد لا يتذكر الأب شيئًا، لكن الطفل قد يتذكر أنه كان أقل أهمية من شاشة. وربما كان الأب يشاهد مقطعًا عن التربية السليمة!

وهنا تتضح قسوة الميراث الذي نصنعه. نلوم الصغار على صمتهم، بعدما علّمناهم أن الكلام يمكن تأجيله؛ نعطيهم الهاتف ليسكتوا، ثم نغضب حين يصبح الهاتف أقرب إليهم منا. ليست المشكلة في جيل وُلد بالشاشات، بل في بيوت اعتادت الغياب وهي مكتملة العدد.

ولا أكتب هذا من خارج المشهد.
نحن جميعًا معرضون له: نصوّر البحر قبل أن نتأمله، وننشر كلمات الحب بينما قد نبخل بوقت الإصغاء، ونراقب إعجاب الآخرين بلحظة لم نمنح أنفسنا فرصة عيشها.

*صرنا أحيانًا نحتاج جمهورًا ليؤكد لنا أننا سعداء، بدلًا من أن نسأل أنفسنا إن كنا كذلك.*

والتيبّس لا يصيب الانتباه وحده؛ قد يصل إلى الموقف. يتحدث أحدهم بحماسة عن الرحمة، ثم يعبر بجوار جار مسنّ يحمل أكياسًا ثقيلة دون أن يعرض مساعدته. ليست الكلمات المنشورة بلا قيمة، لكن قيمتها تنكشف حين تغادر الشاشة وتصبح فعلًا.

وفي المقابل، تتعلم المنصات ما يثير خوفنا وفضولنا، وتغذّينا بما يُبقينا أمامها أطول وقت ممكن. ونحن في حساباتها سلعة مربحة ما دمنا لا نغادر. لكن تحميل الخوارزميات المسؤولية كلها عذر مريح؛ فهي تعرف عاداتنا لأننا نكررها، ونكررها لأننا نؤجل اللحظة التي نقول فيها: يكفي.

الحرية ليست أن نجد ألف مقطع تحت أصابعنا؛ الحرية أن نقدر على إغلاق الهاتف، والإنصات إلى إنسان، واحتمال دقيقة صمت، وتكوين رأي لم نستعره من آخر تعليق.

لقد صنعنا آلات لتوفّر لنا الوقت، ثم صرنا نمنحها من العمر ما كنا ننتظر أن توفّره.

ولعل تيبّس الأصابع ليس عجزًا عن الحركة، بل اعتيادًا على حركة واحدة؛ حتى تكاد اليد تنسى أنها خُلقت أيضًا لتكتب، وتبني، وتصافح، وتمتد إلى من يحتاجها.

فهل أخذت الشاشات حياتنا منا، أم أننا سلّمناها إليها طوعًا، لأن تمرير الحياة بإصبع أسهل من الإمساك بها بكلتا اليدين؟
بقلم محمود حمدى

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى