مدونات عرب بوست

حين تصبح الحقيقة الناقصة أخطر من الكذب!!

قديمًا كان الظالم يحتاج إلى شاهد زور، أما اليوم فقد يكفيه أحيانًا أن يبدأ التصوير في اللحظة المناسبة له.
ومع ذلك، ليست الكاميرا هي المتهم؛ فقد أعادت حقوقًا لأصحابها، وكشفت اعتداءات كان يمكن إنكارها.
المشكلة ليست في أن نصوّر، بل في أن نمنح ما صُوِّر سلطة رواية ما لم تصوّره العدسة.

عشرون ثانية قد تكشف جريمة، لكنها قد تمحو أيضًا عشرين دقيقة سبقتها.
فلم يعد الأقوى فقط من يملك المال أو النفوذ، بل قد يكون من امتلك التسجيل، واختار لحظة بدايته، وسبق الآخر إلى نشر روايته.
فالكاميرا قد تكون صادقة في كل ما عرضته، ومضللة في كل ما أخفته.

قد يستفز شخصٌ آخر طويلًا ثم يفتح الكاميرا عند لحظة انفجاره، وقد يبدأ اعتداء ثم يصوّر رد الفعل، وقد تكون خصومة عمرها شهور لكن الجمهور لا يرى منها إلا ثواني.
فالتضليل لا يحتاج دائمًا إلى صورة مفبركة؛ أحيانًا تكفي حقيقة مبتورة.

وهناك فارق بين التصوير لإثبات الحق، والنشر لإصدار الحكم.
من حق المظلوم أن يوثّق، وقد يكون التصوير وسيلته الوحيدة لكشف اعتداء أو إثبات حق.
أما النشر فيطرح سؤالًا آخر: هل هناك مصلحة عامة حقيقية، أم أننا نُطعم فضول الجمهور حياة إنسان وسمعته؟

الخطر ليس في الكاميرا، بل في اختفاء المسافة بين المشاهدة والإدانة.
اسم يُنشر، ووجه يُفضح، وسمعة تُذبح، وعمل قد يضيع، وأسرة تدفع الثمن، قبل أن يسمع أحد الطرف الآخر.
وإذا ظهرت الحقيقة لاحقًا، فقد يصل التصحيح إلى الآلاف بعدما وصلت الفضيحة إلى الملايين.
فمن يعيد للإنسان سمعته بعدما أكلتها المشاركات؟

الفيديو دليل يُفحص، لا حكم يُنفذ.
يُبحث عن أصله وكامله متى أمكن، ويُتحقق من توقيته ومكانه وسياقه، وتُسمع الأطراف والشهود.
فالعدالة لا تسأل فقط: ماذا رأينا؟ بل تسأل أيضًا: ماذا لم نرَ؟
والسياق ليس وسيلة لصناعة البراءة؛ فقد يبرئ، أو يدين أكثر، أو يغيّر فهم الواقعة.

نريد الكاميرا إلى جوار المظلوم، لا فوق منصة القضاء؛ عينًا تكشف، لا مطرقة تحكم.
ونريد الجاني أن يتحمل مسؤوليته، والبريء ألا يُذبح اجتماعيًا لمجرد أنه ظهر في الجانب الخطأ من عدسة هاتف.

فالحق لا يُقاس بمن صوّر أولًا، ولا بمن نشر أسرع، ولا بمن جمع تعاطفًا أكبر.
العدالة لا تبحث عن الرواية الأعلى صوتًا، بل عن الرواية التي تصمد عندما تُفتح كل الزوايا.

وأخطر كذبة في عصر التصوير قد لا تكون فيديو مفبركًا، بل فيديو حقيقيًا بدأ بعد الحقيقة بدقيقة وانتهى قبل اكتمالها بدقيقة.
وإذا كانت العدالة نفسها لا تحكم قبل سماع طرفَي الخصومة، فبأي حق نحكم نحن على إنسان من عشرين ثانية صوّرها طرف واحد؟

بقلم: محمود حمدي

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى