مدونات عرب بوست

جامع سليمان باشا الخادم.. عثماني في مظهره أم قبطي في جذوره؟ (2)

ما هو طراز «التريكونش»؟ ومن أين جاءت أصوله المعمارية؟
يُعد طراز «التريكونش» (Triconch)، أي «ذو الحنايا الثلاث»، أحد التخطيطات المعمارية المميزة التي تقوم على نواة مركزية تتصل بها ثلاث حنايا أو «كونشات» من ثلاث جهات.

وغالبًا ما تكون النواة المركزية مربعة المسقط، وقد تأتي مستطيلة أو، في حالات نادرة، دائرية.
أما الحنايا الثلاث فتكون في العادة نصف دائرية، وإن ظهرت أحيانًا في صورة مضلعة متعددة الأضلاع.

وتنتظم هذه الحنايا حول النواة المركزية من الجهات الشرقية والشمالية والجنوبية، بينما يشغل الجانب الغربي عادةً المدخل أو الردهة المؤدية إلى هذا التكوين.

ولكي يمكن وصف التخطيط بأنه «تريكونش» بالمعنى الدقيق، ينبغي أن تكون الحنايا الثلاث متقاربة نسبيًا في الحجم والمساحة، وأن تنتظم حول فراغ مركزي واضح.


أما من ناحية التغطية المعمارية، فعادةً ما تُغطى النواة المركزية بقبة، بينما تُغطى الحنايا الثلاث بأنصاف قباب أو أرباع قباب، وفقًا لمساحتها وعمقها.

ويُستخدم مصطلح Trefoil أحيانًا بوصفه مرادفًا للتريكونش، وقد استخدمه عالم الآثار «والترز» في كتابه الأديرة الأثرية في مصر. ويعني المصطلح حرفيًا الشكل النباتي ذي الأوراق الثلاث، في إشارة إلى أن التكوين المعماري للحنايا الثلاث حول القلب المركزي يمنح المسقط هيئة تشبه ورقة البرسيم.

التريكونش والعمارة القبطية
ولا يقتصر التريكونش على كونه تكوينًا معماريًا فحسب، بل ارتبط أيضًا بالوظيفة الليتورجية والرمزية، ولا سيما في العمارة القبطية، حيث ظهر بصورة واضحة في منطقة الهيكل الواقعة في الجهة الشرقية من الكنيسة.


ففي التخطيط التقليدي تنتهي منطقة الهيكل بحنية شرقية واحدة، بينما نجد في تخطيط التريكونش ثلاث حنايا متجاورة: حنية رئيسية في الشرق، تحيط بها حنيتان من الناحيتين الشمالية والجنوبية، لتكوّن معًا تكوينًا ثلاثيًا مميزًا.

ومن هنا ارتبط هذا التكوين رمزيًا بفكرة الثالوث المقدس، إلى جانب وظيفته الشعائرية داخل الكنيسة.

من القصور الرومانية إلى الكنائس المسيحية
يرجع أصل تخطيط التريكونش، بحسب الباحث بيتر جروسمان، إلى العمارة السكنية الرومانية، وبخاصة عمارة القصور وقاعات الاستقبال والولائم خلال أواخر العصر الروماني.

وقد شاع هذا النوع من التخطيط في الإقليم المعروف باسم أفروديسياس (Aphrodisias)، وهي المدينة اليونانية-الرومانية الأثرية الواقعة حاليًا في جنوب غرب تركيا، ضمن ولاية أيدن.
ومع انتشار المسيحية، انتقل هذا التكوين المعماري إلى العمارة المسيحية المبكرة والعمارة البيزنطية، ولا سيما خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين.

أما في العمارة القبطية المصرية، فلم يظهر التريكونش عادةً بوصفه تخطيطًا كاملًا للكنيسة، وإنما ظهر بصورة أكثر وضوحًا في منطقة الهيكل، من خلال ثلاث حنايا شرقية متجاورة.

واللافت أن مصر، وخاصة صعيد مصر، تمتلك واحدة من أعلى كثافات أمثلة هذا التكوين المعماري المعروفة في العالم المسيحي خلال الفترة المبكرة.

ويرى بيتر جروسمان أن صعيد مصر لم يكن مجرد منطقة احتوت على نماذج متفرقة، وإنما مثّل مدرسة معمارية متكاملة كان لها تأثير مهم في تطور عمارة الكنائس القبطية.

نماذج التريكونش في العمارة القبطية المصرية
عند البحث عن أبرز نماذج هذا التخطيط في العمارة القبطية المصرية، تبرز كنائس وأديرة صعيد مصر بوصفها من أهم الشواهد وأكثرها وضوحًا.


وقد أورد «والترز» في كتابه الأديرة الأثرية في مصر عددًا من الكنائس التي اتبعت طراز التريكونش في منطقة الهيكل، ومن أبرزها:
1. كنيسة الدير الأبيض
تُعد كنيسة الدير الأبيض، دير الأنبا شنودة، من أقدم وأبرز النماذج. ويقع الدير إلى الغرب من مدينة سوهاج بنحو 6 كيلومترات، ويرجع تاريخ الكنيسة إلى القرن الخامس الميلادي.

ويتكون تخطيط التريكونش فيها من مربع مركزي تغطيه قبة، تحيط به ثلاث حنايا نصف دائرية، لكنها ليست ملساء تمامًا، وإنما جاءت ذات أضلاع خماسية.

وقد كُرست الحنايا الثلاث لشخصيات وقديسين مختلفين؛ إحداها للسيدة العذراء، والثانية للأنبا شنودة رئيس الدير ورئيس المتوحدين، والثالثة للقديس أنطونيوس الكبير، وقيل إنها للقديس جرجس.

2. كنيسة الدير الأحمر
ومن أهم النماذج كذلك كنيسة الدير الأحمر، دير الأنبا بيجول والأنبا بيشاي، الواقعة إلى الغرب من سوهاج بنحو 12 كيلومترًا.

وترجع الكنيسة، بحسب «والترز»، إلى الفترة الممتدة من أواخر القرن الخامس إلى أوائل القرن السادس الميلادي، رغم أن تاريخ الدير نفسه أقدم من ذلك.

ويتمثل تخطيط التريكونش هنا في مربع مركزي مغطى بقبة، تحيط به ثلاث حنايا نصف دائرية ملساء، وهو من أوضح نماذج التريكونش في منطقة الهيكل، كما يُعد من أفضل النماذج التي ما زالت محتفظة بملامحها حتى اليوم.

3. كنيسة دندرة
وتأتي كنيسة دندرة، المؤرخة إلى القرن السادس الميلادي، ضمن النماذج المهمة التي تكشف عن حضور هذا التخطيط في العمارة القبطية المصرية.

4. كنيسة دير الأنبا هدرا بأسوان
ومن النماذج اللافتة أيضًا هيكل كنيسة دير الأنبا هدرا بأسوان، الذي يتميز بخصوصية معمارية مهمة؛ إذ إن الحنايا الثلاث في تخطيطه الأرضي لا تأتي في صورة نصف دائرية أو مقوسة أو منحنية، وإنما جاءت مربعة الشكل.

وهنا تبرز أهمية هذه النماذج في فهم تطور تخطيط التريكونش داخل العمارة القبطية المصرية، وكيف انتقل من نموذج إلى آخر مع اختلاف الأشكال والتفاصيل، مع احتفاظه بجوهر الفكرة المعمارية القائمة على التكوين الثلاثي حول مركز واحد.

وفي الجزء الثالث نواصل البحث في العلاقة بين هذا التخطيط القبطي القديم وجامع سليمان باشا الخادم، وما إذا كان تخطيط الجامع يقدم بالفعل ما يسمح بطرح تساؤل حول جذوره المعمارية وعلاقته بتقاليد العمارة المصرية السابقة.
يتبع…
بقلم: د. محمد شبانة
خبير الآثار الإسلامية والقبطية والتراث

alarabicpost.com

موقع إخباري عربي دولي.. يتناول آخر الأخبار السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى التحقيقات وقضايا الرأي. ويتابع التطورات على مدار 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى